منتديات جبالة Montadayat Jbala
مت أمس 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضوا معنا
او التسجيل ان لم تكن عضوا وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا مت أمس 829894
ادارة المنتدي مت أمس 103798

مت أمس

اذهب الى الأسفل

مت أمس Empty مت أمس

مُساهمة من طرف محمد أغبالو في الجمعة يونيو 03, 2011 11:22 pm

[size=18]مت أمس[/size]

أنا مت أمس ، بعد مرض طويل ، عانيت معه كثيرا وعذبت معي أحبائي . قبل شهر نقلت إلى المستشفى الذي مت فيه ، كنت ما أزال أستطيع التوجه لوحدي إلى المرحاض . في أول أمس ، حينما ذهبت إلى الحمام ، نظرت إلى وجهي المنعكس على المرآة المثبتة فوق "اللافابو" ، فلم أجده وجهي ، غادره وجه الشاب الذي كنته وحل مكانه وجه بائس لعجوز لم يسبق لي معرفته ... لما عدت إلى فراشي بدأ حوار بين روحي وجسدي وأنا أستمع ، قال
لها : (إنني أتعبتك معي كثيرا يا روحي العزيزة ، يا زوجتي وتوأمي ، ولم أعد أرى فائدة ترجى من بقائنا معا ، غير المعاناة والآلام ، لماذا لا نتفق على الفراق ؟ فأنا أظن أن الخير فيه لكلينا. فأنت ترين ما حل بي من مرض وهوان ، وتقاسين من الاستهانة التي بدأت أتلقاها من الأطباء والأهل مؤخرا ، وأنت شفافة حساسة وأصبح بديهيا أن يكون ملك الموت في طريقه لتفريقنا ، وسيقوم بذلك سواء قبلنا أم أبينا. ولكن إذ قبلت مفارقتي عن طواعية ، ولم أتشبث أنا بك كثيرا فآلام الموت ستكون يسيرة ، فماذا ترين ؟) ، أطرقت مفكرة روحي ثم قالت : (الرأي رأيك يا عزيزي ، ولو أنه يعز علي الفراق ، كنت أريد أن أسكنك طويلا طويلا ، أن أمارس زواجي معك لسنين ، لكن ما باليد حيلة فبقاؤنا معا أصبح ميئوسا منه ، وأشاطرك الرأي في الفراق !) وبدأ العناق بين جسمي وروحي ، عناق حار كان من آثاره الظاهرة الارتعاشات الاهتزازية التي كانت تطال حتى السرير ، والعرق البارد الذي كان يغطي كل مساحة البدن ، والأصوات الطنانة التي كان يرتد صداها داخل رأسي ... عناق وإرسال وتماسك ثم ... حضر ملك الموت كيان جليل ، وأمر روحي أن اخرجي فعانقت الجسد للمرة الأخيرة عناقا حارا ... فارتعش من لوعة العجز والفراق جسدي ، الرعشة الأخيرة حتى تدحرج على السرير وسقط مرتطما بالأرض جثة هامدة ، بوجه معوج وعينين مبحلقتين وبتعبير عميق عن الألم ؛ ألم الفراق !

جاءت الممرضة ، ألقت نظرة على الجثة ، ثم غادرت الغرفة لتعود صحبة الممرض الرئيس ، جس النبض ، ووضع السماعة على القلب ثم أضاء عمق العين وقال : مات ! وترك رأسي يرتطم بالرخام ... آه ما أمر الاستهانة ! ... عادوا بعد ذلك وحملوني – دائما بقسوة معلنة وباستهانة كبيرة – إلى مستودع الأموات. الفحص الأخير كان على يد الطبيب الكبير ، قصد الجثة وأضاء قعر العين باستهانة ، ثم دفع وجهي بتقزز وراح يغسل يديه – بعد أن نزع القفازين – بالماء والصابون وماء جافيل ، عاد إلى مكتبه وكتب شهادة الوفاة وبعنف حملني الموظفون ووضعوني داخل البراد ... وفي اليوم الموالي رأيتهم يجرونني إلى الخارج ، لفوني في إزار بعدما نزعوا ثيابي ثم حملوني إلى سيارة نقل الموتى ... وفي الطريق سمعت ابن خالتي يتحدث عني ، عن شمائلي وخصالي الحميدة ، وعن زوجتي وأولادي الذين تركتهم للضياع. كنت أرى ببصيرتي وأسمع بها أيضا ، دونما حاجة لعيون وآذان ولا عقل ! وفي المنزل كان المعزون قد تجمعوا نساء ورجالا ، وكان القرآن يتلى والنحيب يتعالى ، وشد انتباهي منظر جارتنا – عدوة زوجتي على الدوام – وهي تبكي بحرارة ، تبكي ولا تتباكى ككثير من المعزين ، أنا متيقن من ذلك لأنني وأنا ميت أستطيع التمييز بين الباكين والمتباكين ، أرى الجوهر بوضوح صاف ؛ بصيرتي تنفذ إلى الأعماق ! حز في نفسي أن يتعاملوا مع جثتي بكل هذا القدر من التقزز والاستهانة والخوف ، فحينما طالبهم عمال المستشفى أن يعيدوا "الإزار الحكومي" الذي كنت ملفوفا به ، إزارا قذرا به بقع من دم وسوائل أخرى رطبة ويابسة ، ترددوا ثم جذبوه عني بقسوة محاذرين اللمس دونما اعتبار لتدحرج الجسد الساجب العاري فوق الرخام وارتطام رأسي ووجهي بالأرضية ثم سارعوا إلى غسل أيديهم بالماء والصابون وماء جافيل ، وسمعت ابن خالتي يردد إن هذا اللباس لن يطهره إلا النار ! ...

حملوني إلى المغسلة ، كانوا أربعة رجال ميزت من بينهم الفقيه الذي غسلني بنية صافية ، ثم حملوني إلى الصالة حيث ألبسوني الكفن الذي خاطه الفقيه مسبقا ... ولينطلق الموكب الجنائزي ، حناجر تردد اللازمة الجنائزية بكل خشوع ، آه كم ميزت من المنافقين ! لما أرادوا أن يمدوني في القبر زلت قدم أحدهم فارتطم رأسي بالأرض ، وسمعت بعضهم يلوم ويلعن ، مددوني في القبر وخلصوني من قيود الكفن ، ثم ردوا التراب وبدأ الضجيج يخفت إلى أن خيم الصمت المطبق ، وفجأة سمعت صوتا يأتي من الخارج : (يا مراد بن مليكة يا عبد الله بن أمة الله ، إنك مت ...) نعم أنا ميت وأعرف ذلك ، وغادر الفقيه لأبقى وحيدا أنتظر ما يكون ... لا مكان للزمن الآن ولا للمكان ، هنا المطلق ... لا أستطيع تقدير كم مر من الوقت بقياس أهل الدنيا ، لكن الجسد بدأ ينتفخ وينتفخ ... فتمزق الكفن ، وبدأت أكوام الدود تنهشه من الداخل فيما الذبيبات السوداء التي كانت مرتاعة في أول الأمر بدأت تتكوم على سطح الجسد المكور البني اللون ، ثم بدأ القبر يضيق ويضيق ، وفجأة دوى انفجار عظيم إيذانا بقرب موعد الحساب والعقاب !




محمد اغبالو
28/02/2008

محمد أغبالو
عضو جديد
عضو جديد

عدد المساهمات : 4
درجة التقدير : 0
تاريخ الميلاد : 11/05/1970
تاريخ التسجيل : 29/12/2010
العمر : 49

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى