منتديات جبالة Montadayat Jbala
معلم أينشتاين 613623
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضوا معنا
او التسجيل ان لم تكن عضوا وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا معلم أينشتاين 829894
ادارة المنتدي معلم أينشتاين 103798

معلم أينشتاين

اذهب الى الأسفل

معلم أينشتاين Empty معلم أينشتاين

مُساهمة من طرف محمد أغبالو في الأربعاء ديسمبر 29, 2010 2:18 pm

قصة قصيرة
معلم أينشتاين

محمد أغبالو
حدث هذا منذ سنوات على سلم نيوتن ، وقبل أسبوع فقط في معلم اينشتاين النسبي ، كنت ، ذات صيف من سنة 1987 ، أخرج كل مساء إلى الحديقة العمومية الأقرب إلى دارنا ، أتأبط كتابا مدرسيا في الرياضيات أو الفيزياء، وأجلس، عندما يكاد يخلو المكان على مقعد قريب من عمود النور الكهربائي ، وانهمك في القراءة . ذلك المساء ، توقفت سيارة بالقرب مني ، نزل منها رجل خمسيني ، دنا مني وبادرني :
-Good evening
-Good evening
-Ah ! you speak Englisch !
-Mais je préfère le Français !
-Ok ! Parlons Français
وبدأ يتحدث بلغة فرنسية ركيكة ،برطنة أمريكية . قال انه أمريكي جاء في مهمة إلى المغرب ... سألني عن الكتاب الذي أقرأه ، ولما عرف أنه كتاب في الفيزياء تصفحه ،كان يقف على الصيغ و المعادلات المرسومة بالحروف اللاتينية والإغريقية ، وينهمك في شرحها والتعليق عليها ، ويتخطى النصوص المكتوبة بالعربية .
قال انه ارتاح إلي ويريد مصادقتي ، فتواعدنا على اللقاء في اليوم الموالي بنفس المكان .
وفي لقائنا الثاني قال انه يحب اصطحابي معه إلى أمريكا ، هكذا مرة واحدة !
ولما قرأ التردد على وجهي قال لي: فكر جيدا في الاقتراح ، لن تخسر شيئا .. وقال إن اسمه جيمس ..
***
عدت إلى المنزل وأنا أفكر في هذا الرجل الغريب الذي هبط علي من السماء ، وهذا العرض بجولة في أمريكا، من يكره هذا ؟ وماذا سأخسر أنا ؟ راودتني شكوك كثيرة حول ما يريده رجل أمريكي من مراهق مغربي لم يتعدى السابعة عشرة من عمره ، قلت مع نفسي :لن أخسر شيئا ، ولن يأخذ منى ما لا أريد . سأسايره بحذر ،وسأحافظ على زمام الأمر بيدي ، إن أحسست بشيء غير عاد أنسحب ، ولكن ماذا لو فكر في استعمال العنف ؟
في الواقع أنا أمارس رياضة الكاراتي ، وان لم يعمل حسابه جيدا فان ميزان القوة يميل لصالحي لا محالة ، فلماذا أخاف ؟ ومم أخاف ؟
***
ذهبت إلى الموعد كما اتفقنا ، جاء قبلي ، تمشينا في الحديقة وتحدثنا كثيرا ،ناقشنا مسألة سفري معه ، قال لي إن له معارف بالقنصلية الأمريكية قد يعملون على إصدار تأشيرة الدخول إلى أمريكا لصالحي في مدة 48 ساعة ، ما علي إلا إحضار الوثائق اللازمة .
ذهبنا ذلك المساء إلى احد المطاعم الفاخرة بالمدينة ،كان الرجل مؤدبا حقا ، لم يثر شكي أي من تصرفاته، شرب بالقياس ، وتحدث عن العلم والفضاء والتقدم .. بلغة العالمين المتمكنين .. وعاد إلى موضوع السفر ، كان ملحا أكثر من المرة السابقة ، قال : إنني لن أندم على سفري معه ،مؤكدا أن هناك كثيرا من الشبان المغاربة الذين يتمنون مثل هذه الفرصة التي سنحت لي، لكنه فضلني أنا بالضبط نظرا لرزانتي ودراستي للعلوم . وزاد أنه سيمكنني من الوقوف بشكل مباشر على التطبيق الفعلي لهذه العلوم التي ندرسها - نحن العرب في بلادنا- كما ندرس الشعر ، نظريات مجردة لا علاقة لها بالواقع ، بينما تطبق النظريات هناك في بلاده في ا لمختبرات والمصانع لخدمة الإنسان ، وظل بي إلى أن وعدته بإحضار وثائق السفر في بحر الأسبوع الجاري .
***
مددته بالوثائق والصور ،تصفحها وهنأني! ثم عرض علي السهر في محل إقامته ، فوافقت ، وحافظ على أدبه ، تحدثنا في أمور كثيرة في العلوم والتقدم ، وفي الروح والمادة .. سهرنا إلى حدود الثانية صباحا ، ثم أوصلني إلى المنزل كصديقين سويين ولا تظنوا الظنون،إن بعض الظن إثم!
***
بعد يومين فقط من لقائنا الأخير ، فاجأني! إذ أطلعني على جواز سفري الحامل لتأشيرة الدخول إلى أمريكا .قال لي : استعد ، أخبر أهلك أولا تخبرهم . موعد السفر يوم الأربعاء المقبل .. وأحسست انه لم يعد في إمكاني التراجع ، لابد من المغامرة ، لا بد من الرحلة الغامضة ذات الهدف الغامض .. سأسافر إلى بلاد العام سام على حساب الرجل وسأ تسيح على حسابه ، كل هذا لوجه الله ؟، ولوجه الصداقة بين كهل أمريكي ومراهق مغربي ؟ سنرى..
***
من مطار محمد الخامس بالدار البيضاء حلقت الطائرة إلى الأجواء متوجهة نحو باريس .. لم أجرؤ أن أطلب منه القيام بجولة في مدينة الأنوار ، فقد بدأ الرجل يسيطر علي ، يتحكم في إرادتي أو يعطلها، لست أدري ... أقمنا ساعات في باريس ، ثم ركبنا براق العصر . متوجهين إلى واشنطن ، نحو المجهول .. كان الناس ينظرون إلينا بنوع من .. لا ادري ربما الريبة وكأنني أسمعهم يقولون: « ماذا يجمع بين هذا الكهل البني الشعر ، الأزرق العينين ، وهذا المراهق الإفريقي الفحمي الشعر ، الأسود العينين « ؟!
نمت في الطائرة وحلمت أحلاما متقطعة، منها الكوابيس ومنها الوردية الجميلة ، رأيتني مثلا أركب صهوة حصان أمرد ذي أجنحة ، ينطلق فتخرج من مؤخرته النيران ، تؤلمه فيضاعف السرعة . ورأيتني أسكن قصرا فخما بكوكب معزول في الكون، وحيدا إلا من ذاكرتي .. ورأيتني في قريتي أجني التوت فيخدش يدي العليق ..
- انهض ، أنت في أمريكا - صاح جيمس .
حسبت نفسي ما زلت أحلم ،اختلط لدي الحلم بالواقع ، راسي ثقيل به ألم ،وأنا عاجز عن التمييز .حشود الناس تنطلق في كل الاتجاهات مهرولة مسرعة غير مبالية بما حولها ، هرج ومرج وكلام ، كلام لا أستطيع تبينه بوضوح ، اتبع جيمس في الزحام إلى خارج المطار ،إلى الطاكسي.. إلى البيت .
- هذا بيتك يا جيمس ؟
- ليكن ، كيف تجده ؟
- جميل وفخم ..
أثارني البيت بفخامته وبساطته في الآن نفسه ، وأثار انتباهي العدد الكبير من المكاتب الملحقة به ، والآليات والكتب .. كان عبارة عن إدارة متكاملة ، جناح واحد فقط معدا لان يكون مسكنا ، أما الباقي فهو معد على ما بدالي للاستعمال الإداري .
- أتستعمل كل هذه المكاتب يا جيمس ؟
- في الواقع هذا بيت للسكن والعمل ، هذا في ملك الوكالة ، ليس بيتي أعني ، بيتي فـــــــــي " لاس فيكاس " تسكن فيه مطلقتي وطفلاي .
***
صمت في اندهاش ، أي وكالة ؟ أحس أن هناك أمرا ما يلوح في الأفق ، أمرا خطيرا ، لا يمكنني أن أتجاهل الإحساس القوي بداخلي ،يبدو أنني متورط حتى النخاع ، لا بد أن " جيمس " يعد لي مفاجأة خطيرة ، المسألة فيها وكالة ومكاتب ،وكثير من الغموض ، أذكر أنني قرأت في بعض الكتابات أن وكالة الاستخبارات الأمريكية تجند شبانا من العالم الثالث ضد مصالح أوطانهم مقابل إغراءات مالية ، فان رفضوا الانصياع بعد فوات الأوان دبرت لهم اغتيالا يبدو كقضاء وقدر! فماذا ياحمادي لو عرضوا عليك العمل معهم ضد بلدك أو أي بلد آخر ؟ أنت ترى أنك أصبحت الآن بين أيديهم ، لا مفر! تورطت ، فواجه مصيرك ! ها قد اقتربت الساعة .. ساعة المواجهة ...ساعة بيع الذمة أو شرائها ، ..لا خيار ، كيف تركت هذا الشيطان يلعب بك ؟كيف ركبك الغرور فظننت أنك - أنت المراهق الغرير – ستظل متحكما بزمام أمرك ؟ ها أنت أصبحت تحت تصرف " جيمس " وشركائه وما عليك إلا التسليم طوعا أو كرها ....كان " جيمس " يعد القهوة ، عندما عاد قرأ على وجهي الاضطراب فبادرني :
- حمادي . ما بك ؟ أنت خائف ؟ قلق ؟
- لا ... قلت .
حدق في وجهي ووضع كوب القهوة أمامي ثم أردف :
- غذا سيزورنا بعض منتسبي الوكالة ، سيتعرفون عليك ، وستتعرف إليهم ، هم علماء فيزياء ورياضيات ومهندسون ...
- وما دخلي أنا بذلك؟ لم تحدثني عنهم من قبل ؟
-لكن تحدثنا عن العلم وتطبيقاته وخدمته للإنسان ، ألا تريد أن ترى بنفسك كيف تستغل نظريات العلم التي تدرسونها في بلدكم كأشعار ؟
- ولماذا اخترتموني أنا ؟ ألم يكن الأجدى أن تطلعوا أساتذة الجامعات و المهندسين على ذلك ؟ وحتى السياسيين فربما يتحفزون لإخراج النظريات إلى التطبيق ؟
نظر إلي مليا ثم قال :
- طيب ألا تحب أن تشارك في تجربة غير مسبوقة في علوم الفضاء ؟ اسمعني جيدا يا حمادي، أنت تحب العلم، لا شك في ذلك، لماذا لا تريد خدمة العلم مثلنا ؟
- كيف سأخدمه ؟ وأنا ما زلت تلميذا ؟
- ستعرف كل شيء في الوقت المناسب، وسيكون لك شأن عظيم في تاريخ العلم!
- وإذا رفضت ؟
- الرفض ممنوع في مجال العلم، كل العلماء منذ فجر التاريخ إلى اليوم ، يهبون حياتهم للعلم ، يهملون كل شيء ، يعتكفون في مختبراتهم، لذلك تراهم لا يحلقون حتى لحاهم !
***
ها كل شيء اتضح وبان الآن، هذا الأمريكي الخبيث، يريد استغلالي كفأر تجارب، لم أعد أستطيع استيعاب ما يجري لي، والسؤال الذي يحيرني أكثر هو لماذا لم يختاروا فتى أمريكيا عوضي ؟ إذا لم يكن في الأمر شر ما ؟ لا بد أنه هنا، في هذا العالم البعيد عن بلدي سيكون منفاي وقبري. لم أودع أمي ولا عمي ولا إخوتي ، قلت لهم - وهم يثقون بي كامل الثقة –إنني سأسافر في رحلة نظمتها إحدى الجمعيات لمدة أسبوع . هذا كل ما أخبرتهم به . و يا وجعك يا أمي ، ها أنت تفقدين ابنك البكر في ظروف غامضة ، كما فقدت أباه في ظروف الاحتجاجات الغامضة ، كان يوما ليس كمثله يوم - كما روى الرواة – يوم النضال من أجل * الخبز الحافي * …والغياب المؤبد داخل ذلك الصندوق الأسود الذي احتضن عددا اعتباطيا من شهداء حب المغامرة ، تلك الجينات العاشقة للمغامرة نفسها ورثتها عن أبي يا أمي ، حثتني على المغامرة فلم أتخلف ، وطرت إليها طيرانا إلى أدغال بلاد العم سام ... ولكن ، ألا يؤكد جيمس أنهم علماء ؟ هل من الممكن أن يكون الضمير أيضا مات عند العلماء ؟ عجبا!
***
يوم الأحد زار " بيت الوكالة " وفد من العلماء و المهندسين ، منهم من بلغ من العمر عتيا لكنه ما زال يحتفظ بشباب عقله وعينيه ، رغم الأخاديد البارزة على وجهه واللحية البيضاء الكثيفة والشعر المنفوش المتروك على الفطرة ، كنت حاضرا معهم في قاعة المؤتمرات ،وبدأ الحديث بلغة علمية صعبة لم تسعفني انجليزيتي البسيطة على فهمها .. فجأة صوبت كل العيون نحوي ، كانوا يتفحصونني بفضول كبير واهتمام زائد ، ثم عادوا للنقاش .. لما غادروا اختلى بي جيمس و قال لي :
- استعد لبدء التدريب . غدا صباحا سيأتي البروفسور هانكس ليدربك!
- على ماذا ؟
- على السباحة في الفراغ . قالها مبتسما !
***
ركبوا قنينة الأكسيجين ، ثم دفعوا بي داخل الغرفة المفرغة من الهواء،بعد لحظة ، وجدتني مرفوعا عن الأرض ، أسبح وأطير ، لا أستطيع التحكم في جسمي ولا في روحي . البروفسور يسبح ويطير. يتحكم جيدا في جسده ، يحثني على التركيز وتتبع تعليماته.. سيطرت على نفسي وانقدت له ، أطبق ما يأمرني به ، ثلاثة أيام كانت كافية لكي أتعلم السباحة أو التحليق في الفراغ ، سموها كما شئتم!
***
أفهمني " جيمس " أننا سنطير في رحلة إلى الفضاء، كل في غرفته ، منعزلا عن الآخر ، ستقوم " الناسا " بتجربة غير مسبوقة في التاريخ. .. وسيكون لي أنا شرف السبق بالمشاركة فيها كعربي ، لا بد أن وطني بحكامه وشعبه سيفتخر بي غدا بين الأمم . ولما اقتربت ساعة الصفر ، زودوني بكل شيء يمكن أن أحتاجه في رحلتي : دواء ، أكل ، كتب ..ثم صعدنا المكوك ، كانت الغرفة ضيقة ، مزودة بكل ما يحتاجه المسافر ، جلست على مقعد وثير شبيه بمقعد ربان الطائرة ، على جانبي طاولة مثبتة بالحائط ، وفي ركن ألصقت خزانة شبيهة بالثلاجة بها كل ما أحتاجه من أكل وشرب وملبس ، قالوا لي أن أستعمل حزام السلامة عندما أحس باهتزاز المركبة ، وحينما لا يعود هناك اهتزاز أتخلص منه وأتصرف كما أريد ، ثم انصرفوا .. كنت أراهم من النافذة الصغيرة الوحيدة ذات السمك الغليظ ، فجأة تحولت الأشياء في أقل من رمشة عين إلى ألوان متداخلة لتستقر في اللا لون، ولم أعد أميز شيئا بعدما انعدم الارتجاج ، فقط كان هناك إحساس عميق يشعرني بأنني أعيش خارج الزمان والمكان . أعيش في عالم لم يدخله حي قبلي أبدا ولو في الأحلام .
كنت مستسلما أترقب ما يكون، مر زمن قدرته بأقل من ربع ساعة ، ثم عاد الارتجاج بغتة وبدأت الألوان تحتل مكان اللا لون ، ثم تشكلت الأشياء شيئا فشيئا فميزت سطح الأرض بيابستها وبحارها وأيقنت أن المركبة تتوجه نحو الأرض لا محالة في ذلك ، فالأشياء والأشكال تتعاظم ، تساءلت وأنا خائف : هل ألغوا الرحلة ؟ أم تراه عطبا أصاب المركبة ؟ هل ستنفجر ؟ وما كان بإمكاني معرفة الحقيقة …لكن فجأة ها تفني صوت من ركن خفي بالعربية " لا تخف يا محمد نحن نراك ، نجحت الرحلة والتجربة، بعد دقائق ستكون على سطح الأرض !!! "

لا حظت تجمعا من الناس ينظرون نحوي؛ نحو المكوك المحرك بخيوط خفية كخيوط الكراكيز ، يخضع فقط للتعليمات المشفرة التي يرسلها إليه المهندسون والفنيون من غرفة " الناسا " عبر أجهزة إرسال لا سلكية ، فيستقبلها دماغ المكوك وينفذها بطاعة عمياء ..أحاطوا بي من كل جانب ، وأنزلوني من المكوك ، حملوني داخل سيارة الإسعاف ، حيث تمكن مني النعاس ، لما استيقظت كان أطباء وأمنيون وعلميون يحيطون بي ، لم أتعرف على أحد منهم ، لم يكن جيمس بينهم … ابتسم الطبيب وسلمني لشخصين من منسوبي "الناسا"رافقاني في سيارة مصفحة إلى دار الوكالة .
***
شعرت أن هناك تغيرا كبيرا قد حصل ،كنت جازما على أن البناية ليست نفسها التي كنت بها الليلة ، سألت أحد مرافقي عن جيمس ، فقال بكل حياد عاطفي:" مات منذ 7 سنوات" … تعجبت ، لكنني ظننت الرجل أخطأ في هوية الشخص المقصود أو أنه يهزأ بي .. وأنا أتجول في بعض ممرات البناية، استوقفتني صورة لجيمس ، يبدو فيها أكبر عمرا ، وقرأت أسفل الصورة الخبر اليقين : " المرحوم جيمس كلارك – عميل الوكالة توفي يوم 16/03/2001 اثر مهمة تدريبية " ، بدأت أتحسس جسمي بيدي ، أريد التأكد من كوني أعيش حقيقة لا في حلم سوريالي ، هل أناحي ؟ أم ميت ؟ كل شيء أصبح غير يقيني ، كل شيء نسبي إذن ، لا مطلق ولا واقع ولا حقيقة انس لهما . لا بد أنني في حلم ، بل كابوس طويل . لا جيمس ولا ناسا ولا هم يحزنون ، أنا في غرفتي في طنجة . غذا سأصحو لاتوجه الى الثانوية ، لكن متى أفيق ؟ومتى يتوقف هذا الحلم؟ عاد أحد مرافقي يدعوني للالتحاق على الفور بالمكتب الرئيسي حيث وجدت كهلا شاب الملامح ، ثاقب النظر ، تأملني وقال :
- سيد حمادي ، الوكالة تخيرك بين العودة إلى بلدك والبقاء هنا لإتمام دراستك!!
لم أجب بقيت مشدوها تتسارع المئات من التساؤلات في رأسي ، ها اللامنطق أعيشه الآن ، يا للضياع . من أنا ؟ بل ماذا أنا؟ .
- على كل حال ،نفضل إعادتك إلى بلدك !
***
في الغد، كنت على متن الطائرة المتوجهة إلى باريس ، يصحبني السيد تورين؛ اليهودي المغربي الأصل … وجدتني مالكا لشقة فاخرة بحي راق بمديني ،ولي رصيد في البنك يكفي للعيش ، نمت تلك الليلة بشقتي الجديدة مؤجلا عودتي إلى منزلنا للقاء أمي وعمي وإخوتي إلى الصباح ، استقلت طاكسي إلى حينا، إلى الزنقة 12 بحي الموظفين حيث يوجد منزل أهلي ، نزلت من على متن الطاكسي بعدما أكد السائق لي أن هذا هو المكان المقصود، دهشتي تتعاظم ، كيف طال هذا التغيير جميع الأشياء خلال أيام غيابي القليلة ؟ غير معقول وغير مقبول إطلاقا .
أسأل الناس عن منزل" فاطمة الساحلية" و"أحمد الخباز " فيؤكدون جميعا بأن الاثنين قد توفيا من زمان ،وأن أبناءهم قد باعوا المنزل وغادروا إلى وجهة ما ، ربما التحقوا بأخيهم الغائب منذ سنين . تعرفت على بعض سكان الحي لكنهم لم يتعرفوا علي ، حاولت عبثا أن أعرفهم على هويتي لكنهم كانوا يرتابون ، فأقرأ الدهشة وعدم التصديق على محياهم ، في الثانوية التي كنت أدرس بها قبل الغياب لم أعثر على احد من زملائي ،كل هذا كان يعمق من أزمتي ومن وعيي بالمأساة ..تخلفت عن قطار الزمان ،وفاتني الكل ،الذين ولدوا يوم مغادرتي إلى امريكا أصبح عمرهم الآن 22 سنة، فيما عمري أنا البيولوجي حسب الشهادة الطبية لا يكاد يزيد عن 17 سنة . غافلني الزمن في المركبة، واندفع إلى الأمام مخلفا إياي وراءه. ترى هل ربحت الزمن ، أم خسرت سنوات من عمري ؟ لا أعرف كيف انتظرني كل هذه المدة ! اثنين وعشرين سنة ، فيما طوح بالآخرين إلى الأمام ، فعل فيهم فعلته ، غيرهم وقتل بعضهم ، واحتفظ بي أنا كل هذه السنين معلبا بالمكوك ، ابن 17 سنة ، فيما الأوراق الإدارية والشرعية كلها تثبت أن سني 39 سنة بالتمام و الكمال .. وها أنا لغز محير للآخرين ولنفسي ، علمت أن أخي الأصغر أصبح عمره 35 سنة ، وأختي سعيدة تزوجت وصار لها ابن أكبر مني . كلما حكيت قصتي لأحد ، ارتاب في ، وعاملني كمتخلف عقلي . لم يعد لي مكان في هذا العالم ، أنا كائن غريب غير منسجم ، أمارس الوحدة الأيام ، فتتضخم غربتي ويأسي
***
قررت ذات صباح أن أذهب إلى قريتنا ، لعل الزمن الكلب يكون انتظرني هناك ، ألا يقول البعض إن زمن البادية بطيء بخلاف زمن المدينة ،لان الحركة هناك بطيئة والتغيير بطيء ؟ والزمن في حقيقته ما هو إلا التغيير والتحول المتواصل . وهناك يسير الزمان ببطء ، فربما ألحق به . وجدت سوق القرية قد طاله بعض التغيير ، لكن ليس بالدرجة التي طال بها المدينة ، ولما التحقت بالقرية لم ألمس تغييرا كبيرا قد طالها ، مازالت تقريبا كما رأيتها ، فقط بنيت بعض الدور … عمي هو نفسه ، فقط ابيض شعره وعمتي هي نفسها ، لكن أولادهما لم يعودوا هم ، لم يتعرفوا علي ، أو تعرفوا وأنكروا .حينما أخبرتهم بمن أكون ، قبلوني ، لكنني لم أستطيع تحمل كل نظرات أهل القرية المرتابة.
***
في صبيحة يوم مشرق' ، أخبرني ابن عمي هشام أن أهالي القرية وشوا بي إلى شيخ القبيلة ،وبما أن البحث قائم عن بعض الإرهابيين الفارين، فان هناك كثيبة من رجال الدرك والعساكر في الطريق لإلقاء القبض علي … واقترح علي أن أختبئ في غار الجبل ، فيما سيتكفل هو بإحضار الطعام و الشراب وكل ما يلزمني إلى أن تهدأ العاصفة ، فاللهم السجن الاختياري في غار الجبل أو الدخول في مسلسل غير منته من التحقيقات والتعذيب الذي سيؤدي إلى وفاتي لا محالة ، و وجدتني داخل المغارة أرتل بنوع من الاطمئنان: " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا…".

محمد أغبالو-تلفتة




[left]

محمد أغبالو
عضو جديد
عضو جديد

عدد المساهمات : 4
درجة التقدير : 0
تاريخ الميلاد : 11/05/1970
تاريخ التسجيل : 29/12/2010
العمر : 49

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى