منتديات جبالة Montadayat Jbala
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضوا معنا
او التسجيل ان لم تكن عضوا وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

حوار شامل مع المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي: 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حوار شامل مع المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي: 1

مُساهمة من طرف محمد الورياكلي في الجمعة أغسطس 15, 2014 2:24 am

حوار شامل مع المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي: 1

[rtl]الماركسية ليست بوابة إلى الاشتراكية بل إلى القيَم الليبرالية.[/rtl]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
عدد الفصلية الفكرية المغربية الجديد «النهضة» مخصص بالمفكر والفيلسوف المغربي الكبير عبدالله العروي، من القامات العالية التي ساهمت في إنتاج المعرفة الفكرية، بمقارباتها العقلانية، والعلمانية، والاجتماعية والثقافية. حضور يمتد نصف قرن لهذا المفكر الكبير، عبر مؤلفات ودراسات تشكل ارثاً في مسار النهضة التنويرية والنقدية.
وهذا العدد الخاص شارك فيه نخبة من كبار المفكرين المغاربة والعرب والباحثين، والفلاسفة منهم: عبدالاله بلقزيز، انطوان سيف، محمد نورالدين افاريه، محمد سبيلا، محمد المصباحي، عبدالمجيد القدوي، العربي مفضال، محمد الشيخ، نبيل فازيو، يونس رزين، وعبدالنبي رجواني. إضافة إلى نور الدين العوني في مقاربة «قول العقل».
وهنا لا بد من توجيه تقدير كبير للجهود التي تبذلها المجلة في مسارها الفكري، عبر اعدادها الصادرة، وكذلك تقديراً لهذا العدد الخاص «التكريمي النقدي» بالعروي.
ننشر هنا، بموافقة ادارة تحرير المجلة، المقابلة القيمة، التي اجريت مع العروي، وكذلك المقدمة التي صاغها المفكر الكبير، شاكرين المجلة على هذا التعاون الوثيق، الذي وفّر لنا نشر هذا الحوار، وكذلك المقالات والاوراق التي سبق ان نشرنا في القسم الثقافي.
أن تجري حواراً فكرياً مع الاستاذ عبدالله العروي، اليوم، فأنت تصنع حدثاً ثقافياً بامتياز؛ وهو حدث ثقافي لأنّ الرجل قامة كبيرة في الفكر العربي خاصة، وفي الفكر الانساني عامة؛ ولأن الحوار معه ينضج، أكثر، أسئلة تطرحها كتاباته على قرائها، وتفتح أمامهم بوابات جديدة لفهم ما استغلق فهمه عليهم. وهذا، بالضبط، ما تميز به هذا الحوار مع عميد الفكر العربي المعاصر.
شاء الأستاذ العروي ان يُفصح فيه عمّا لم يكن في الوسع ادراكه، لدى السواد الأعظم من قرائه، في ما خص استراتيجيته الفكرية والمعرفية التي يخوض فيها منذ قريب من خمسة وخمسين عاماً. وإلى ذلك فإن هذا الحوار يطل على مجمل الانتاج الفكري للأستاذ العروي، مما ندر أن يحصل في سوابق الحوارات الفكرية التي أجريت معه.
وقد شاءت مجلة النهضة ان تفتتح عددها الخاص عن فكر عبدالله العروي بهذا الحوار كي يكون خير مدخل إلى العدد.. والى عالمه الفكري.
[ بيانه الفكري: قبل الاجابة عن الاسئلة، استهل الاستاذ العروي اللقاء مع اعضاء من هيئة تحرير مجلة النهضة، بتوطئة أرادها بياناً لانتاجه الفكري خلال مساره العلمي، منذ مستهل عقد الستينيات حتى اليوم، ولما بين كتبه من صلات ترابط. ولقد كانت هذه التوطئة، التي تفضّل بها عميد الفكر العربي مشكوراً، اضاءة في غاية الاهمية لعالمه الفكري، وللوشائج القائمة بين نصوصه، كما سيلاحظ ذلك القراء.
عبدالله العروي/ توطئة. قبل أن اجيب عن الاسئلة المفصلة، اريد أن أقول كلمة حول مجموع انتاجي الفكري، مشدداً على انه يمثل وحدة تتجاوب وتتكامل اجزاؤها.
دليل هذه الوحدة هو الآتي: أول عمل نشر لي هو الحوار التلفزيوني المعنون بـ«رجل الذكرى»، والذي كتب في سنة 1961، والذي سيعاد نشره هذه السنة. يتناول هذا الحوار موضوع الذاكرة. نفس الموضوع تناولته بعد عقود في قصة «الآفة» وفي كتاب «سنّة وإصلاح».
ينقسم كتاب الايديولوجيا العربية المعاصرة، إلى أربعة فصول:
- العرب والأصالة.
- العرب والاستمرار التاريخي.
- العرب والعقل الكوني.
- العرب والتعبير عن الذات.
يمكن تجزئة أعمالي إلى أربعة محاور، كل محور مرتبط بأحد هذه الفصول: الايديولوجيا، البحث التاريخي، التأصيل، التعبير.
المحور الأول، وصف وترتيب لمقالات العرب عن أنفسهم في العصر الحديث. لم ادرس الفكر العربي أو الفلسفة العربية أو الثقافة العربية، بل الايديولوجيا فقط. هذا موضوع محدد. اخترت من الانتاج الفكري العربي المعاصر ما اعتبرته ايديولوجياً.
من يُسَمّ هذا الفكر أو ذاك بالايديولوجيا، عليه أن يبرر هذا الحكم. بالنسبة إلى أي شيء يكون الفكر ايديولوجياً؟ ثم قبل كل شيء ما الذي تعنيه هذه الكلمة؟
هذا ما فعلته في ثلاثة مؤلفات: مفهوم الايديولوجيا، مفهوم الحرية، مفهوم الدولة. وزدت الامور توضيحاً في عدة مقالات جمعتها في كتابي «أزمة المثقفين العرب»، و«ثقافتنا في ضوء التاريخ». زد إلى هذين المؤلفين المحاضرة التي صدرت تحت عنوان «عوائق التحديث». هذا الجزء من أعمالي يكوّن وحدة حول الايديولوجيا وما يميزها عن الواقعية والموضوعية.
الجزء الثاني يتعلق بالبحث الموضوعي من المجتمع الذي تسود فيه تلك الايديولوجيا. الغرض منه إظهار ان الايديولوجيا ايديولوجيا بالفعل، أي تصور خاطئ غير مطابق للواقع. دراسة الايديولوجيا يجوز أن تكون عامة، تشمل كل البلاد العربية، لكن البحث التاريخي يمس بالضرورة بلداً بعينه، أي المغرب في ما يخصني. لذلك كتبت «مجمل تاريخ المغرب»، «جذور الوطنية المغربية»، «المغرب والحسن الثاني»، ومقالات جمعتها في مؤلف «مباحث تاريخية».
الجزء الثالث من أعمالي تعميق للقسم الثالث من «الايديولوجيا العربية المعاصرة»، أي تأصيل للتاريخانية. وهنا لا بد من تجاوز التأريخية إلى التاريخانية. نقول ان هذه التحليلات (تحليلات الشيخ ورجل السياسة والمولع بالتقنيات) ايديولوجية لأنها لا تطبق المنهج السليم لدراسة الحاضر والماضي. لولا اننا نذهب أبعد من هذا الاستنتاج، نقول ان هذه التحليلات إذا تحولت إلى سياسة تخفق لا محالة، وان التحليلات المناقضة لها تضمن وحدها النجاح. هذا الاستنتاج الثاني هو الذي أسميه أنا تاريخاني. فوجب ان ابرره، أن اؤسس له. وهو ما فعلته في «مفهوم التاريخ»، ثم «مفهوم العقل». ينضاف إلى هذين الكتابين «سنّة وإصلاح» ومن «ديوان السياسة». هذه محاولة مني في تأصيل التاريخانية بصفتها بوصلة العمل السياسي الهادف.
وأخيراً الجزء الرابع، الذي يتقاطع مع محتوى الفصل الرابع من «الايديولوجيا العربية المعاصرة»، يُعنى بالتعبير. يتكوّن من «خواطر الصباح»، التي تسجل وقع الأحداث اليومية في نفس بدون أدنى تنظير أو تعقيل. ومن الأعمال الأدبية، تستحضر «الغربة واليتيم وأوراق» بكثير من الحنين إلى ذكريات الصبا. فيما يصف «الفريق وغيلة» أوضاع الحاضر، وتستكشف «الآفة» آفاق مستقبل مظلم. لا دور هنا للعقل، كل شيء مبني على الحدس والخيال.
انكب جل المحللين العرب على الجزء الأول فقط، ظناً منهم ان الباقي كله شرح وتوظيف لما جاء فيه. تصرفوا كما لو كنت اقدم ايديولوجيا جديدة عوض الايديولوجيات التي انتقدتها. لم اقدم التاريخانية كأيديولوجيا بديلة، بل كوسيلة للتخلص من كل انواع الايديولوجيا، وللالتصاق بالواقع لنضمن بعض النجاح لما نقدم عليه من تدبير.
لذلك اقترح ان نخصص هذا الحوار لمسألة نقد الايديولوجيا بما انه يمثل 90 في المائة مما كتب عن أعمالي.
وهنا نص الحوار:
[ النهضة: دعوتَ إلى التاريخانية كمنهج للتفكير، وكنظرة تحترم موضوعية التطور التاريخي، في مقابل نمط سائد في التفكير يعاني نقصاً فادحاً في الحس التاريخي (بنيوي، نصي، ايديولوجي، طوبوي..)، بعد قرابة نصف قرن من هذه الدعوة؛ هل ما يزال لها اليوم من شرعية لكي يستأنف القول بها؟
- عبدالله العروي: عارضت بين التحليل الايديولوجي والدراسة التاريخية ذات الأفق التاريخاني بهدف التمسك بالواقع. طبقت المنهج المقترح على وضعية الستينيات وخرجت بنتائج. من يطبق نفس المنهج على الوضع الحالي يخرج بنتائج مغايرة. هذا واضح: عالم الفيزياء يخرج بنتائج مختلفة كلما اختلفت الظروف. هل يُطلب منه ان يغير منهاجه كل مرة؟
هنا لا بد من توضيح مسألة، بعدما رسمت الخطوط العريضة للذهنية التاريخانية الحديثة، انكببت على دراسة حالة معينة، مغرب القرن التاسع عشر. ولم أدّع أبداً ان ما استخلصته من هذه الدراسة العينية ينطبق على البلدان العربية الأخرى. وحتى في «الايديولوجيا العربية المعاصرة» لم أتطرق إلى اوضاع مصر إلا لأن الزعماء المغاربة كانوا يتخذون مصر مثالاً.. كان محمد عبده بالنسبة إليّ مفتاح فكر علال الفاسي.
من العبث مقابلة التاريخانية بمناهج اخرى مثل التفكيكية أو البنيوية مثلاً. هل أنصار التفكيكية وضعوا نهجاً لفهم السياسة؟ كل منهاج صالح لمجال معرفي خاص به.
قيل منذ القديم ان التاريخ مختبر السياسة. القائد السياسي يتبع حتماً في تصرفه الفعلي المنهج التاريخاني. وأنا لم أهتم إلا بانكباب الفكر على العمل السياسي.
[ النهضة: بدا لك نقد التأخر التاريخي، الذي يعانيه المجتمع العربي، المدخل الموضعي والضروري إلى اعادة تمثل معضلات الدولة والسلطة والنخب والتنمية والايديولوجيا، والمدخل إلى نهوض الفكر والثقافة بالدور المنتظر منهما اجتماعياً. وكان ذلك في أساس عنايتك بمركزية المسألة الثقافية في أي تحليل للاجتماع مقابل طغيان للتحليل الاقتصادوي في الوعي العربي آنئذ. هل ما زلت تحسب مسألة التأخر التاريخي أم المسائل في المجتمع العربي؟ وهل ما زالت عوامل الشبه بين حالتي ألمانيا وروسيا وحالة المجتمع العربي قائمة في تقديرك، أم ان ادخالك الحالة العربية قبل أربعة عقود في دائرة المقارنة بألمانيا في القرن التاسع عشر، وروسيا البلشفية، أتى محاولة منك لتبرير دعوتك التي اطلقت عليها اسم «الماركسية الموضوعية»؟
- عبدالله العروي: كلامنا على المجتمعات التاريخية، كلها في اتصال بعضها ببعض. إذا أخذنا مجتمعاً بعينه في لحظة معينة، فهو اما متفوق على المجتمعات المحيطة به، أو متكافئ معها أو متخلف عنها. مقياس ذلك نجده في الحرب أو في التجارة. ايام الجاحظ كان العرب يشعرون بالتفوق، أيام ابن خلدون بدأوا يشعرون بالتخلف. العبارة عن هذا الشعور واضحة عند هذا وعند ذاك.
كتبت عمَن يعي التخلف، يعترف به ويبحث عن وسائل استدراكه. ولم ألتفت إلى من يتجاهله أو ينفيه. من خصائص الفكر الايديولوجي الانكباب على هذه النقطة وحدها.
هذه إذن حالة عادية في التاريخ. من الطبيعي أن نجد لحالة العرب ما يماثلها في مجتمعات اخرى. لست أول مَن تكلم عن التجربة الروسية أو الالمانية أو الايطالية، بل سبقني إلى ذلك كُتّاب عهد النهضة. كل ما فعلته هو أني زدت الأمر تدقيقاً.
هذا التدقيق هو الذي جعلني اخلص إلى ان التفكير في التخلف والإصلاح يؤدي إلى فهم «حقيقة» التاريخ، وهذه ترادف معنى الماركسية الموضوعية.
تبين لي عن بحث وتمحيص ان الماركسية الموضوعية ليست موضوعة (proposition) تناقش، بل هي وضعية (situation) تُشاهد وتوصف.
[ النهضة: ادركت مبكراً ان دراساتك دارت سنوات الستينيات والسبعينيات على سؤال اشكالي هو: كيف يمكن استيعاب مكتسبات الليبرالية قبل ومن دون المرور بمرحلة ليبرالية؟ هل ما زالت الاشكالية دقيقة اليوم أم ان «المرور بمرحلة ليبرالية» أمر لا غنى عنه، ولا مهرب منه؟
- عبدالله العروي: يعتقد الكثيرون ان المواجهة بين الماركسية الشيوعية والرأسمالية الليبرالية انتهت بانتصار هذه الأخيرة، والانتصار تجسّد في العولمة. فلم يعد مبرر للقول ان في امكان مجتمع ما اختزال المرحلة الليبرالية والدخول رأساً إلى الاشتراكية، اذ لم يعد لهذا النظام اي مستقبل. ارى ان الموضوع ليس بهذه البساطة. لم يختف التطلع إلى العدالة والمساواة، وليس في امكان العولمة ان تحققه فعلاً.
قلت في مقالي عن الماركسية والعالم الثالث ان الماركسية الموضوعية (وهي وجه من أوجه العولمة) ليست بوابة إلى الاشتراكية، بل إلى تعميم القيم الليبرالية في مجتمع متخلف مرّ بثورة تقول عن نفسها انها اشتراكية أو شيوعية.
حتى لو تصورنا ان المجتمعات كافة انخرطت بنجاح في العولمة، وهذا غير مضمون البتة، سيظل بعضها يحتفظ بميزة السبق.
[ النهضة: اخذت على فكر الشيخ، على الفكر العربي عموماً، انه يعمد إلى الاجابة عن الاسئلة التي يطرحها عليه الآخر (=الغرب)، هل ما برح الفكر العربي يفكر، اليوم، من داخل الاطر الاشكالية التي يرسمها له الآخر ويحددها، أو نحا منحى توليد أسئلته من رحم واقعه المجتمعي والثقافي؟
- عبدالله العروي: اكد ابن خلدون ان المغلوب مولع بتقليد الغالب. والغالب في عينه كان الإسلام. القاعدة عامة، غير متعلقة بهوية الغالب أو المغلوب.
الغالب هو الذي يملك المبادرة. يطرح السؤال الذي يتولى المغلوب الاجابة عنه. اذا لم يع المغلوب المسألة، فإنه يصبح على التو خارج التاريخ، كحال هنود أميركا. مَن ينحو هذا المنحى يلجأ إلى الفن أو الفلسفة، يحتمي بالأزل ليتحرر من ربقة الزمن. كان يقال الغالب هو الله واليوم نقول الحكم هو التاريخ. المعنى واحد.
المفكر الجاد عندما يطرح مسألة التخلف ويحاول تصور حل لها يحاور غيره بقدر ما يحاسب نفسه. يستنتج من حكم التاريخ ما يستنتج. أما خصمه فإنه ينفي المسألة من الأساس. له الحق في ذلك، لكنه ينطبق بمنطق غير سياسي ومع ذلك يظن أنه يقول كلاماً سياسياً!
[ النهضة: هل كان الشروع في إنجاز الكتب المفهومية الخمسة إيذاناً بالانتقال من التاريخانية إلى الحداثة، أم ان خيط الاتصال بين اللحظتين المعرفيتين ظل مستمراً؟
- عبدالله العروي: التاريخانية هي منهج الحداثة. إذا كانت هذه محققة صار المنهج التاريخي عادياً يُفهم بكيفية عفوية، بل لا يتصور اللجوء إلى غيره في مجال السياسة بالذات. أما في غير السياسة فالأمر مختلف.
إذا كان المجتمع غير حداثي، أو ناقماً على حداثة مفروضة عليه، فلا مناص من حملة توضيحية. وهي حملة صعبة. ما يبدو بديهياً للفكر التاريخي يبدو متهافتاً لغيره، لأن التاريخاني يميز بين مجالات المعرفة في حين ان خصمه يرفض التمييز.
[ النهضة: بدوت منصفاً، كثيراً، للمقالة الليبرالية العربية على الرغم من تسجيلك مفارقتها، وخلطها بين لحظات الليبرالية الغربية الأربع (كما عند أحمد لطفي السيد)، وغياب المنظومية أو الاتساق النظري فيهما. هل كانت وظيفتها التي وصفتها بالايجابية كافية وحدها لانصافها على النحو الذي فعلته في مفهوم الحرية؟
- عبدالله العروي: نشأت الليبرالية العربية في اطار المجابهة بين مجتمع متغلب وآخر يشعر بالضعف والاستغلال. كانت مواجهة، ولكن كان كذلك تلاقح. تكونت جماعة، قليلة العدد، قامت بدور الوسيط المفاوض. ثم انتهى دورها بانتهاء الوضع الاستعماري.
لكنها ظلت تحمل سمات الدور الذي قامت به. ظلت ضعيفة اجتماعياً وبالتالي فكرياً، متهمة معزولة في الداخل ومحتقرة في الخارج. الجميع يرميها بانعدام الأصالة.
لذا تكلمت عن مأساتها.
[ النهضة: وقفت في مفهوم الدولة على كابح معرفي في الوعي الإسلامي للدولة أسميته بطوبى الخلافة عند الفقهاء، وهي طوبى لا يضارعها في الغربة والبرانية عن واقع الدولة التاريخي سوى ما دعوته بـ«فردانية الفيلسوف/ المتصوف». ولكن ألم تكن دولة الفقهاء أكثر واقعية من دولة الفلاسفة والمتصوفة وعلماء الكلام، بل وحتى من دولة كتّاب الدواوين في الآداب السلطانية؟ أين دولة المؤرخين التي لم يتناولها تصنيفك في الكتاب ما خلا حالة ابن خلدون؟
- عبدالله العروي: مارس ابن خلدون السياسة، أعني الكتابة الديوانية، ثم القضاء. وفي الحالين تصادم مع الواقع، فاكتسب نزعة ذهنية نستطيع أن نسميها تاريخانية. فميز باستمرار بين الوعي بالواقع وتخيل البديل.
من تخيل البديل؟ أولاً المحدثون الذين تشبثوا بدولة الرسول، خليفة الله في الأرض. من هنا الخلافة، أي حكم الناس بتكليف إلهي.
ثانياً الفلاسفة والمتصوفة في صورة مدينة فاضلة مكونة من أفراد كلهم فضلاء أتقياء لا سلطان للشهوات والغرائز الدنيئة على نفوسهم.
لكن هذا الخيال لم ينل شيئاً من الدولة القائمة، دولة الملك أو الغلبة أو العصبية أو التسلط.
كان ابن خلدون أيضاً متصوفاً، لكن بعد أن ترك السياسة ولم يعد يفكر فيها. عندما كان يفكر فيها لم يخطر بباله أبداً ان يطبق عليها مقاييس الحكمة أو الورع.
[ النهضة: ألا يعيش الوعي السياسي العربي، اليوم، طوبويات أخرى: طوبى الدولة الوطنية، طوبى الدولة القومية، طوبى الدولة الديموقراطية، أو الاشتراكية..؛ ما الفرق بين طوبى الأمس وطوبى اليوم؟
- عبدالله العروي: لا يزال الكثيرون يمزجون الأماني بالواقع. فهم بين الخوف من الوضع القائم والرجاء أو التطلع إلى البديل المحبب.
يتكلمون عن الدولة القومية أو الدولة الوطنية أو الدولة الديموقراطية كما لو كانت قائمة أو على وشك القيام، تماماً كما كان يفعل الفقهاء مع دولة الخلافة والحكماء مع المدينة الفاضلة والصوفيون مع رباط الأخيار. هكذا تكلم طويلاً الشيوعيون والقوميون، وهكذا يتكلم اليوم أنصار حقوق الانسان، أي الليبراليون الجدد.
بجانب الرجاء الخوف من الدولة القائمة، لكن الواقع لا يغير بالتخيل. لا سلطان للخيال الصرف على السياسة. الواقع يغيّر بالواقعية. هذا هو درس التاريخانية لمن يفهمها على وجهها.
[ النهضة: حللت ظاهرة الحد والحصر في اشتغال العقل في الثقافة العربية، لاحظت ان عقل المطلق (=الكلامي) هو العقل المطلق في هذه الثقافة، وأن الخلط استمر فيها بين العقل والمعقول، وأن بين عقل العدد وعقل الكسب وعقل الجهاد.. مشترك جامع هو العقل المعقول: عقل الاسم، لا عقل الفعل، وان العقل عند العرب المسلمين لم يتحول لذلك السبب إلى عقلانية، الخ. هل نفهم من هذه القراءة ان العقل الإسلامي عقل نصي: يعقل النص لا الواقع: وهل الحد والحصر فيه من آثار نزعته النصية، أم من تأثير الواقع التاريخي الذي كان يرسم له حدوداً لا يستطيع تخطيها؟
- عبدالله العروي: في أي مجتمع تقليدي العلم الكلي سابق على المعلوم الجزئي. هذه قاعدة منطقية لا تعارض. من هنا تساؤل فلاسفة القرون الوسطى، مسلمين وغيرهم، هل يعلم الخالق الجزئيات؟
لم يتمكن أحد من حل هذه المعضلة، لا ابن رشد ولا توما الأكويني. الحل عملي. وهو ما قام به غليليو عندما درس قانون الحركة مفصولاً عن أية مسألة أخرى لفصل المعلوم الجزئي عن العلم العام. العلم المطلق، بالنسبة إلى الإنسان، لا يفيد الجزئيات والمعلوم الجزئي لا يفيد العلم المطلق.
العقل هو المنهاج الذي يمكّن من عقل المعقول الجزئي. ليس العقل، كما كان، هو بيان المطلق، وتأويله كشرط لمعرفة حقيقة كل جزء.
عندما يكون منطلق المطلق هو المتغلب في مجتمع ما، كما كان عندنا في الماضي، يصبح كل مفكر خاضعاً له: الحكيم، أي الطبيب، أو الفيلسوف، والمتصوف، والفقيه، والمتكلم، كلهم يتبعون نفس المنهج. لاحظ ان ابن رشد الفيلسوف يشرح أرسطو كما يشرح ابن رشد الفقيه «موطأ مالك».
عندما نُبدل عقلاً بآخر، نظرة لأخرى. كما فعل غليليو، يغزو المنطق الجديد مجالات المعرفة الواحد تلو الآخر، الفيزياء، الفلسفة مع ديكارت، القانون مع مونتسكيو، السياسة مع روسو، الأخلاق مع هيوم، الاقتصاد مع آدم سميث، علم الحياة مع دارون، الخ.

إذا أردنا اليوم ان نستنير بعقل الماضي، فإننا نحيي بالتبعية عقل المطلق. لا ضرر أن نفعل ذلك في الفلسفة أو الأخلاق الفردية أو الفن، لكن الضرر كبير عندما يتعلق الأمر بالسياسة، بالأخلاق العامة، بالطب، الخ. والضرر ملاحظ..

♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠
كلمة حق في زمن النفاق
يجب أن تقال

محمد الورياكلي
فارس المنتدى
فارس المنتدى

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 2214
درجة التقدير : 2
تاريخ الميلاد : 25/11/1954
تاريخ التسجيل : 11/09/2010
العمر : 62

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: حوار شامل مع المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي: 1

مُساهمة من طرف محمد الورياكلي في الجمعة أغسطس 15, 2014 2:31 am

الثلاثاء 12 آب 2014 - العدد 5118 - صفحة 20


[rtl]حوار شامل مع المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي:
الأصولية هي انعكاس باهتٌ لكل أطوار الحداثة الغربية
[/rtl]

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
عدد الفصلية الفكرية المغربية الجديد «النهضة» مخصص بالمفكر والفيلسوف المغربي الكبير عبدالله العروي، من القامات العالية التي ساهمت في إنتاج المعرفة الفكرية، بمقارباتها العقلانية، والعلمانية، والاجتماعية والثقافية. حضور يمتد نصف قرن لهذا المفكر الكبير، عبر مؤلفات ودراسات تشكل ارثاً في مسار النهضة التنويرية والنقدية.
[rtl]وهذا العدد الخاص شارك فيه نخبة من كبار المفكرين المغاربة والعرب والباحثين، والفلاسفة منهم: عبدالاله بلقزيز، انطوان سيف، محمد نورالدين افاريه، محمد سبيلا، محمد المصباحي، عبدالمجيد القدوي، العربي مفضال، محمد الشيخ، نبيل فازيو، يونس رزين، وعبدالنبي رجواني. إضافة إلى نور الدين العوني في مقاربة «قول العقل».
وهنا لا بد من توجيه تقدير كبير للجهود التي تبذلها المجلة في مسارها الفكري، عبر اعدادها الصادرة، وكذلك تقديراً لهذا العدد الخاص «التكريمي النقدي» بالعروي.
ننشر هنا، بموافقة ادارة تحرير المجلة، المقابلة القيمة، التي اجريت مع العروي، وكذلك المقدمة التي صاغها المفكر الكبير، شاكرين المجلة على هذا التعاون الوثيق، الذي وفّر لنا نشر هذا الحوار، وكذلك المقالات والاوراق التي سبق ان نشرنا في القسم الثقافي.
وهنا الجزء الثاني الاخير من الحوار
[ النهضة: استعدت محمد عبده مدخلاً لطرح مسألة العقل في الإسلام، وحدوده، في: مفهوم العقل، بعد أن كنت درسته، في اطار نمذجتك الشهيرة لـ«الايديولوجيا العربية المعاصرة» في الكتاب الذي حمل العنوان نفسه؛ ما الذي تغيّر في الوعي الإسلامي المعاصر بين عبده الستينيات، وعبده التسعينيات، وهل تغيرت صورته بالتالي في وعيك؟ ولماذا الإلحاح المستمر منك على نموذجي محمد عبده وعلال الفاسي في كل ما تكتبه عن الفكر الإسلامي والفكر الإصلاحي؟
- عبدالله العروي: شيخ اليوم يحاكم شيخ الأمس ويتهمه بالتخلي عن الثوابت وبالتقاعس أمام العدو، ويذهب البعض إلى اتهام عبده بالتآمر على الإسلام.
قلت ان افق عبده والفاسي كان محدوداً، وإن هذه المحدودية هي ما يسم فكرهما بالايديولوجيا.
قد يكون شيخ اليوم اكثر اطلاقاً على منتوج الغرب، لكن في شقه المحافظ، فينقذه ويصبح بذلك أكثر محافظة. أصولية العرب، اصولية الشرق عموماً، ليست سوى انعكاس، من عدة وجوه، لأصولية الغرب. الدليل هو ان شيخ اليوم أقل ارتباطاً من شيخ الأمس بالانتاج العربي القديم. يرجع إلى السلف ويتخطى قروناً من التأويل والاجتهاد
[ النهضة: انشغلت طويلاً بالتاريخيات العربية الكلاسيكية، وكتبت فيها، في مناسبات متعددة: العرب والتاريخ، مفهوم التاريخ الإسلامي، هل وجدت في المدوّنة التاريخية العربية صورة ما للثقافة والمجتمع تثوي وراء التفاصيل؟
- عبدالله العروي: لم يكتشف المجتمع العربي علم الطبيعيات الحديث. فما كان في وسع الثقافة العربية توظيف اكتشافاته في البحث التاريخي، كما فعل الغرب أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
ما كان في وسع المؤرخين العرب ان يحلّوا لغز الكتابة الهيروغليفية أو المسمارية، أو ان يؤرخوا لطبقات الأرض. ظلوا حبيسي الوثيقة المكتوبة التي تعود إلى ستة آلاف سنة، أي بداية الكون في عقيدتهم. المنهجية العلمية عندهم هي منهجية الجرح والتعديل، منهجية علم الحديث. ثم عمموا هذه الطريقة النقدية على كل المجالات المعرفية، حتى العلوم العقلية. في هذا الاطار المحدود تمكنوا من وضع نظرية متكاملة عن شروط صحة الرواية، وبالتالي عن معنى السنّة. نظريتهم هذه لا تخص السنّة الإسلامية بل تنطبق على كل سنّة. في هذا الاطار تفوق الانتاج العربي في تدوين التاريخ، على غيره، شرقاً وغرباً. أظهرت حدوده، وفي نفس الوقت بينت عمقه في اطاره المذكور.
[ النهضة: لماذا لم تتطور صناعة التاريخ عند العرب من الاستوغرافيا إلى فلسفة التاريخ؛ هل كان ابن خلدون يستطيع ذلك معرفياً ولم يفعل؟
- عبدالله العروي: بل توجد عند المؤرخين المسلمين فلسفة واعية بنفسها. إلا انها متجذرة في العقل المطلق. التاريخ ظهور وإظهار لباطن. والباطن مرسوم منذ الأزل. هذه الفلسفة قريبة مما يقول به بعض الفلاسفة. نعود إذن إلى ما قلناه سابقاً. العلم المطلق مقدّم على علم الجزئيات، كذلك معرفة غاية التاريخ مقدمة على رصد أطواره.
[ النهضة: اعتنيت بابن خلدون كثيراً، منذ رساالتك الجامعية عن شفاء السائل، أوائل الستينيات، حتى مفهوم العقل أواسط التسعينيات؛ لماذا ظل يغريك بمقاربته بغيره من الغربيين اللاحقين (ميكيافيلي، بودان، مونتسكيو، أوغست كونت، ماكس فيبر)؟
- عبدالله العروي: كان ابن خلدون واعياً بنبوغه، لكنه لم يدرك إلى أي حد كان نابغة. لذلك كلما طالعنا أعمال غيره وعدنا اليه وجدنا آثاراً جديدة لهذا التفوق.
محدودية فكره مرتبطة بمحدودية مجتمعه. وهذه المحدودية هي التي تبرز مدى عبقريته. نفس الأمر ينطبق على كل من اقارنه به، أرسطو، ماكيافيلي، مونتيسكيو. أفق كل واحد من هؤلاء محدود تاريخياً، فيظهر النبوغ والتبريز بالنسبة إلى هذا الحصر. لذا، لا يخطر ببالي ان اقارنه بدارون أو اينشتاين الكوسمولوجي مؤلف كتاب «كيف أرى الكون».
لو فعلت ذلك لأخطأت في حقه ولتحول نبوغه إلى قصور.
[ النهضة: بعدما يزيد على خمسة واربعين عاماً على كتابك «تاريخ المغرب»، هل تشعر ان التأليف في هذا الموضوع، في نطاق الدراسات التاريخية في مجمل المغرب العربي، حقق تقدماً علمياً يُذكر، ويستحق معه أن يقال ان المغاربة انتزعوا تاريخهم من أيدي مَن كانوا يكتبونه من الغربيين نيابة عنهم؟ هل نحن على أعتاب كتابة تاريخ وطني في المغرب خاصة، وفي المغرب العربي عموماً؟
- عبدالله العروي: تناقص عدد الباحثين الأجانب في تاريخ المغرب. وخلفهم باحثون محليون حققوا مكاسب مهمة، سيما في ما يتعلق بتاريخ القرن التاسع عشر الميلادي.
لكن بما ان الوثائق المتاحة استغلت كلها، عاد الدارسون الجدد إلى النصوص التقليدية (كتب المناقب) فتأثروا بذهنيتها. لذلك نلاحظ ان ما صدر في السنوات الأخيرة حديث في مظهره وتقليدي في محتواه. أشير بالطبع إلى الانتاج المكتوب بالعربية.
[ النهضة: انشغلت في الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية بتحليل سياقات تطور الاجتماع المغربي الحديث، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وتبلور الفكرة الوطنية في ذلك التطور، لكنك اعتنيت فيه كثيراً بموضوعات الإصلاح وأسباب اخفاقات مشاريعه المتعاقبة، وصولاً إلى لحظة الاحتلال الكولونيالي. هل استفاد المغرب من دروس الماضي في هذا المجال، منذ الاستقلال الوطني؟ هل قطع شوطاً في الاصلاحات على طريق بناء الدولة الوطنية؟
- عبدالله العروي: قلت مرة ان المؤرخ لا يتعاطف مع رجل السياسية. البحث التاريخي الدقيق والموضوعي لا يخدم دائماً أهداف الدولة القومية، بل قد يضعفها بالكشف عن هويات غميسة. وهذا ما حصل في القرن التاسع عشر الأوروبي.
لقد عارض الكثيرون معارضة محتشمة ما جاء في كتابي «جذور الوطنية المغربية». مفهوم الدولة القومية لا يفيد بالضرورة وحدة الأصول والمرامي. قد يكون تعدد ولا تتحقق وحدة الانتماء والخضوع لسلطة واحدة إلا بشروط، ضمنها التقيد بالذهنية التاريخانية.
[ النهضة: فهمت دعوتك في «الايديولوجيا العربية لمعاصرة» إلى القطيعة مع الماضي والقرون الوسطى خطأ؛ ظن انك تدعو إلى موقف عدمي من التراث، بينما قصدت بهذه القطيعة المعرفية مع عقل الماضي. بعد الذي كتبته في «مفهوم الدولة»، و«مفهوم العقل»، و«الإسلام والتاريخ والسنّة والاصلاح»، تبين انك تناولت القضايا التي تناولتها مستصحباً نصوص التراث ومتونه. إلى أي حد يمكن تناول التراث والانفصال عنه في الوقت عينه؟ وهل التفكير فيه من شروط الحداثة؟
- عبدالله العروي: لا تتم القطيعة مع التراث أي التحرر من هيمنته، الا بدراسته دراسة تاريخية نقدية. نلاحظ ان مَن يتشبث بالتراث هو، في الغالب، أكثر الناس جهلاً به. يختزل الثقافة العربية في الانتاج الديني، وهذا في الانتاج الفقهي، وهذا في الانتاج السنّي، إلخ. بل من الأصوليين مَن لا يعرف من التراث إلا فتاوى ابن تيمية.
بدأت الحداثة في الغرب بتحقيق نص التوراة والانجيل، ثم مؤلفات ارسطو وأفلاطون وسائر مؤلفي يونان واللاتين. وهذا العمل لا يزال مستمراً إلى اليوم. كل جيل يؤول التراث تأويلاً جديداً، وهذا التجديد المستمر مقبول ومطلوب، لا أحد ينعته بالزيغ أو العقوق.
تختلف التأويلات، منها المحافظة ومنها الثورية. لكن الجميع، بما انهم يعيشون في مجتمع حداثي، يلجأون في المرحلة الاولى، مرحلة التحقق من النص، إلى المنهج النقدي، إذا أجمع علماء الحفريات على ان الآثار الفلانية تدل على مرور النبي الفلاني بالقرية الفلانية لا أحد، حتى من أعضاء الكنيسة، يجرؤ على ردّ الإجماع اعتماداً على قول أحد القديسين.
لا جدال في منهجية التحقيق. يكون الاختلاف في التأويل وذلك بحسب المجالات. طرق تأويل النص الديني مخالفة لطرق تأويل النص الشعري أو الفلسفي أو النقدي.
[ النهضة: هل ما زلت تعتقد ان على العرب ان يتجرعوا الحداثة كما تجرعتها أمم قبلهم؟ وماذا لو كان ثمن تجرعها قاسياً: أعني من قبيل توليد نقائضها! ألا تزدهر الأصولية في سياق التحديث واللبرلة والعولمة؟
- عبدالله العروي: الحداثة واقع اجتماعي معيش، لا مقولة قابلة للتحبيذ أو التفنيد. تظل المعارضة للحداثة في كل الأحوال لفظية.
ما يهم المؤرخ، وأكثر منه رجل الدولة والمسؤول السياسي، هو كيف التعامل مع هذا الواقع الجاثم. يقول البعض: الحداثة هي صورة من الاستعمار، استعمار روحي بدلاً من أن يكون مادياً فقط. طيب، كيف تعامل الوطنيون مع استعمار الأجساد؟ هل قالوا: لا قيمة له، لا وجود له، نعيش على هامشه ولا نلتفت إليه؟ لو فعلوا ذلك لكانوا اليوم في وضعية هنود أميركا. هل كان ينفع في مدافعة الاستعمار النفي والتجاهل أم التعرف عليه، التعمق في ماهيته ثم تجريده من بعض وجوه نفوذه. تجسدت الوطنية في التكيف مع الاستعمار سياسياً، فكرياً، سلوكياً عندما اقتنع الجميع ان لا جدوى في المقاومة العسكرية وفي الانكفاء على النفس.
الحداثة مثل الاستعمار، حالة قائمة، إما مفروضة ومرفوضة قولاً وعقائدياً، وإما معترف بها متحكم فيها.
الأصولية لا تمنع ولا تمانع، إنما هي انعكاس باهت لأصولية رافقت كل أطوار الحداثة في الغرب. هذه هي الحقيقة المرة.
نرى اليوم صراعاً بين تيارين، أحدهما يريد أن يتحكم في الحداثة حتى يستطيع أن يوجهها توجيهاً مفيداً للمجتمع، والآخر يتظاهر بالرفض والممانعة فيترك الحداثة تسير في صالح الغير. الكل يخشى المواجهة، فتترك الساحة للتيار الأكثر تعلقاً بالماضي.
يقل الحسم، يعمّ التردد والتردد دائماً خسارة.
[ النهضة: هل الإصلاح أفق مقفل في المنظومة السنّية كما يوحي بذلك كتابك: السنّة والإصلاح؟
- عبدالله العروي: تتكوّن السنّة على مراحل عبر الزمن. في كل مرحلة تقول السنّة عن ذاتها انها إصلاح، أو بعبارة أدق صلاح، أو استحضار الأصلح. تسير مع الزمن لكن تنظر إلى الخلف لا إلى الأمام. لا تحيد عن الاتجاه المعاكس. لذلك تقول عن كل ما لا تتوقعه انه نابتة. منطق السنّة هو دفن النابت أو المستنبت.
إذا أردنا تصور اصلاح من نوع آخر، يساير الزمن الفعلي، لا بد لنا من إبطال مفعول هذا الجهد المعاكس.
كيف؟ بالنبش عن الجذور. لا بد من الكشف عن كل مرحلة من مراحل تكوين السنّة وإعادة الاعتبار، على مستوى الفكر، إلى ما تصفه هي، أي السنّة المكونة، بالبدعة النابتة. البحث التاريخي الصرف، ما يسميه المحدثون أسباب النزول، هو فقط فهم ما حصل والابانة عن معقولية السنّة. لا بد إذن من الارتقاء من هذه النقطة إلى ما أسميه أنا الموقف التاريخاني. هذا يعتمد على مكاسب البحث التاريخي ثم يتجاوزه إلى التصميم على قلب الاتجاه المعاكس للتطور الطبيعي. لا تظهر بدعة إلا لسبب، ولا توصف بأنها بدعة سيئة يجب استئصالها إلا لسبب. ففضح ذلك السبب هو في آن كشفٌ عن منطق السنّة ونزع صفة الاطلاق عنها.
هذا ما فعلته في كتاب «سنّة وإصلاح»، مركزاً على الفرق بين مرحلة البحث التاريخي والحسم التاريخاني الذي هو أساس التجديد الحقيقي.
[ النهضة: منطق العقيدة غير منطق السياسة؛ ذلك مما يستفاد من كتابَيْ: «السنّة والإصلاح» و«من ديوان السياسة». هل نحن أمام منطقتين متعارضتين: الوجدان والعقل؟
- عبدالله العروي: قلت في خاتمة كتاب «سنّة وإصلاح»: إما مجاهدة وإما تذوق. وفي النص الفرنسي قلت Militantisme ou esthetisme. الكتاب كله مؤسس على هذه الثنائية التي هي، في الوقت ذاته، واقع ملموس (الروح مقابل الجسد) وأحد مكاسب أوائل الفلسفة (theoria vs. praxis). كما يقابل ابن خلدون قوة التميز وقوة الانجاز أو الانشاء.
من أين تنشأ الايديولوجيا؟ من الإصرار على التوحيد القسري، تغليب النظر على العمل أو تغليب العمل على النظر.
بما انني أرفض الايديولوجيا، فاني أقبل الثنائية واعمل على توظيفها.
اقول ان الافضل والأنجع، نظراً لمحدودية معارفنا، ان نعمل على ملاءمة منهاج التفكير مع المجال الذي نفكر فيه.
نفكر في نطاق الزمن ونتأمل انجازات الانسان بهدف الانشاء، حسب عبارة ابن خلدون. علينا أن نمسك بالمنطق الملائم لهذا الغرض. لا يمكن لهذا المنطق الهادف ان يفرط في الموضوعية والواقعية، وإلا حاد عن خطه. استنتج ان هذا الشرط لا يتحقق إلا في المنهاج التاريخاني.
ما الذي دعا ابن خلدون إلى التحلي بالواقعية؟ التفكير في الحضارة، والحضارة انجاز بشري خاضع لسيرورة الزمن.
ماذا يحصل عندما نطلق الزمن والتاريخ والعمل الهادف وما يرتبط بكل هذا؟ نعود إلى النفس، ننفصل عن الزمن، نتجرد، نتوحد.. هذه مفردات من قاموس الحكمة، أكانت فلسفية إلهية أو تصوفاً ربانياً.
يتكلم ابن باجة عن تدبير المتوحد. التدبير عمل وانجاز، لكن بهدف سعادة الفرد المنعزل، الذي لم يعد يهتم بما وبمَن حوله. لا يتطلع إلى تغيير اي شيء من الدنيا وترك آثار باقية.
لا غرابة ان يصاحب هذا الموقف منطقاً غير الذي يلجأ إليه محلل الانجازات التاريخية.
يقرر الحكيم الانفصال عن الزمن، التاريخ، المجتمع، ماذا يهمه من أمر «الخارج» البراني؟ كل ما يهمه هو الوعي الجواني. كل العبارات والمفاهيم تؤخذ على وجه النقيض. من هنا اللجوء إلى منطق التأويل (Hermeneutique).
المنهج التأويلي صالح لفهم ما «يُلقى في النفس»، وغير صالح لفهم ما يفعله الإنسان في «الخارج».
أشعر بكل قوة ان اي محاولة لتوحيد المناهج تعسفية وغير ناجعة. فأقف عند الثنائية ولا أتخطاها. لكل مجال معرفي منهاج يوافقه. التاريخانية تناسب مجال السياسة. التأويلية تناسب مجال الحكمة.
هذا ما دعاني إلى القول بالعلمانية التي لا تنفي في نظري الروحانيات. من يقول ذلك لا يعني ما يقول.
الحكيم نفسه يميز بين طب الأجساد وطب النفوس.
[ النهضة: تناولت مسألتي اللغة والتمثيل الديموقراطي في جملة ما تناولته في كتابك من ديوان السياسة؛ هل وجدت في التعديلات الدستورية (2011)، وفي الجدل الذي دار حول اللغة العربية الفصحى والعامية، بصمات ما لأفكارك، أم أنك شعرت باستمرار حالة تجاهل «المجتمع السياسي» للفكر؟
- عبدالله العروي: أصفق بالطبع للتعديلات التي ادخلت على النظام السياسي في بلادنا. لا أنسى ان الدستور الجديد جاء نتيجة توافق بين الأحزاب، وبالتالي لا يلبي رغبات كل الجهات. ارى انه لا يرقى إلى ما تتطلبه وضعية المغرب في عالم اليوم.
للبعض ان يقول ان الشعب المغربي، بمكوناته جميعها، غير مهيأ لاصلاحات أعمق وأشمل. كما يقال: لسنا في السويد. قد يكون الأمر كذلك. علينا إذن ان نتسلح بالصبر.
[ النهضة: لماذا اخترت المواجهة المباشرة بالكلمة والصورة في المعركة حول اللغة؟ بينما ركنت إلى الصمت حين اندلعت أحداث ما يسمونه «الربيع العربي»؟
- عبدالله العروي: في الجزء الرابع من كتاب «الايديولوجيا العربية المعاصرة» تكلمت باسهاب عن الثقافة مشدداً على ان الفولكلور لا يمكن ان يحل محل الثقافة الكلاسيكية، ما يسمى أحياناً بالثقافة العليا (Haute culture).
مَن لا يعرف هذه الثقافة، أو يعرف شذرات منها عبر الترجمة، يعتبر ان المجتمع المغربي مجتمع إثنوغرافي، عارضت بشدة هذا الموقف فلم يعجب ذلك الكثيرين. فانتقد بعضهم كتاباتي لا بعد تمحيص نظري بل انطلاقاً من اشمئزاز نفساني، اشمئزاز الشاعر من تأكيدات المؤرخ.
الحق هو اني لا أعادي الثقافة الفولكلورية ولا الأدب الشعبي، ولا أعارض التأليف باللهجة المحلية، أياً كانت، ولا البحث في ابنيتها، لكني أرفض أن نتصرف وكأننا أمّة أمّية. خرجنا من الأمّية منذ قرون، وازدواجية اللغة بين مكتوبة ومحكية ليس دليلاً على اننا لا زلنا أمّيين. هذه مفاهيم مغلوطة ورثها البعض عن كتّاب جهال أو مغرضين. الرأي حر. مَن يعتقد اننا كنا ولا زلنا أمة أمية، وان علينا ان ننشئ ثقافة خاصة بنا مبنية على وضعنا الحالي، بدون أن نعبأ بما أنجز من قبل وفي غير بلدنا، له ذلك، لكن ليس له أن يفرض نظرته على الجميع. وهذا بالضبط ما جاء في الدعوة الأخيرة، التي كانت تتمة لدعوة سابقة كتب لها قسط من النجاح. أراد البعض الاستفادة من هذه الخطوة وإحراز مكسب جديد يرسّخ الوضع اللغوي بترسيم اللهجة الدارجة بدون اعتبار للتكلفة وللنتائج.
لو نجحت المحاولة لعدنا بالفعل إلى حظيرة المجتمعات التي انتقلت، أو تحاول أن تنتقل، من البداوة إلى الحضارة، حسب التعبير الخلدوني، كما لو لم يحصل هذا الانتقال، بالنسبة إلى كثير من أبناء شعبنا، اثناء القرن الثاني الهجري، ونتج عنه تراث غزير.
يبدو المقترح تربوياً صرفاً، لا يمس في شيء الثقافة العامة. هذه مغالطة. لا بد ان يؤدي تطبيق المقترح إلى نتائج ثقافية على المدى المتوسط. بعد سنوات قليلة تضمحل علاقتنا بالتراث العربي الكلاسيكي. كنا، وربما لا نزال، على وشك ارتكاب هذه الخطيئة الجمّة.
[ النهضة: ما الذي دفعك إلى خوض تجربة ترجمة بعض مصادر الفكر الحديث إلى اللسان العربي؟
- عبدالله العروي: الدافع الأساس هو محدودية اطلاع المؤلفين العرب المعاصرين على الانتاج الغربي المفيد. يكتفون بالملخصات. عادتهم الاعتماد على المراجع الثانوية، حتى عندما يتعلق الأمر بالمؤلفين المسلمين.
عنوان الفكر الحديث هو العودة إلى النصوص الأصلية، نص التوراة لا ما قاله آباء الكنيسة، نص أفلاطون وأرسطو لا ما قاله شرّاح الاسكندرية.
قارن ما جاء في عقيدة روسو وما جاء في «سنّة وإصلاح»، قارن ما جاء في تأملات منتيسكيو وما جاء في «من ديوان السياسة»، ترى الفائدة من الترجمة.
أتمنى أن يقوم آخرون بترجمة نصوص من هذا المستوى ولا يكتفون بتعريب روايات أغاثا كريستي.


[/rtl]

♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠
كلمة حق في زمن النفاق
يجب أن تقال

محمد الورياكلي
فارس المنتدى
فارس المنتدى

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 2214
درجة التقدير : 2
تاريخ الميلاد : 25/11/1954
تاريخ التسجيل : 11/09/2010
العمر : 62

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى