منتديات جبالة Montadayat Jbala
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضوا معنا
او التسجيل ان لم تكن عضوا وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

الإسلام في الأندلس: تاريخا وحاضرا ومستقبلا

اذهب الى الأسفل

الإسلام في الأندلس: تاريخا وحاضرا ومستقبلا

مُساهمة من طرف الزاهوية في الأربعاء ديسمبر 12, 2012 6:51 pm

الإسلام في الأندلس: تاريخا وحاضرا ومستقبلا

محاضرة للأستاذ الدكتور علي بن المنتصر الكتاني


المحاضرة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

باديء ذي بدء؛ أود أن أشكر رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر على إتاحتهم لي فرصة اللقاء معكم في هذا اليوم العظيم، يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وكما تفضل الأخ الأستاذ رئيس الجلسة؛ فقضية الأندلس هي في الحقيقة درسٌ لنا حتى لا تعود المأساة في أراضي أخرى، وحتى لا تكون فلسطين أندلسًا جديدة، لأنه مادام هناك شعب فلسطيني يطالب بأرضه وبحقوقه؛ ففلسطين لن تكون أندلسا جديدة، لأن الأندلس أرادوا أن يبيدوا شعبها وتابعوه بالتشتيت والتقتيل، أما فلسطين؛ فالحمد لله أملنا كبير – بإذن الله – أن تعود لأهلها، وتعود القدس – بإذن الله – للأمة الإسلامية، ويندحر الظلم، ويندحر الطغاة بإذن الله.

كلامي اليوم عن: "الإسلام في الأندلس: تاريخا، وحاضرا، ومستقبلا"، أود أن أجزئه إلى عدة أقسام:
ماضي الإسلام في الأندلس

أولا: سأتكلم – إن شاء الله – عن الماضي، وأبين بعض التوضيحات، وبعض المعلومات التي ربما انتشرت في كتبنا التاريخية والتي تتنافى مع الواقع، ثم أبين التسلسل المتواصل بين ماضي الإسلام في الأندلس والانبعاث الإسلامي اليوم الذي نراه في دولة إسبانيا.

وفي الحقيقة؛ منذ ثلاثة شهور تقريبا اعترفت الحكومة الإسبانية لأول مرة منذ سقوط غرناطة بالدين الإسلامي كإحدى الديانات الإسبانية الأساسية التي تستحق المساندة على نفس المستوى مع الدين الكاثوليكي واليهودي، وهذا لا شك سيفتح بابا جديدا للإسلام ومستقبلا مشرقا بإذن الله.

فتح الأندلس لم يكن غزوا:
تعلمنا في كتب التاريخ – أو في بعضها على الأقل – أن العرب دخلوا الأندلس سنة 711 ميلادية، وخرجوا منها سنة 1492 بعد "حرب استرداد طويلة" من طرف الإسبان. وهذا يتنافى مع الواقع تماما؛ لأن فتح الأندلس من طرف المسلمين لم يكن غزوا استعماريا لشعب أزاح شعبا آخر كما يقع الآن في فلسطين وكما وقع في القرون الماضية من طرف الدول الأوروبية الغازية التي احتلت شمال أمريكا مثلا، واحتلت أستراليا وأبادت شعوبها. ولكن الفتح الإسلامي للأندلس كان فتحا إسلاميا بمعنى أن: العرب الأوائل أتوا بالدين الإسلامي وقدموه للشعب الأندلسي الذي قبله وتعرّب مع مر الأيام.

فالأندلسيون هم – في الحقيقة – الشعب الأصيل في الجزيرة الإيبيرية، وهو الذي اندمج مع المسلمين الآخرين الذين قدموا لها من عرب وبربر، وتبنى الحضارة الإسلامية، وأصبحت اللغة العربية لغته، وهو الذي أعلى الحضارة الإنسانية إلى المستويات التي نعرفها.

فإذن؛ لم يكن الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية غزوا، ولكن كان تحولا حضاريا لأمة قبلت الإسلام كمحرر من الاضطهادات القائمة من طرف القوط، والحكومات التي غزتها من الشمال في تلك الأحيان، وهذا ليس كلامي فقط؛ بل حتى الكُتاب الإسبان المعاصرون أخذوا يرون الوجود الإسلامي في الأندلس بنظرة جديدة.

وأنبه بهذه المناسبة إلى كتاب صدر حديثا باللغة الإسبانية، طبع تحت عنوان: "الثورة الإسلامية في الغرب"/ "la revolucion Islamica en Occidente" لإﮔناسيو أولاﮔوايIgnacio Olague، الذي يبين هذا الموضوع.

وبهذا؛ فالحرب لإخراج الإسلام من الأندلس – التي تسمى إسبانيا اليوم – لم تكن حرب استرجاع، ولكن كانت حربا استعمارية صليبية هي نفسها الحرب التي كانت تتجه نحو المشرق العربي والتي كانت تتجه نحو فلسطين بالذات. بهذا نرى هذا الارتباط - حتى في البداية - بين فلسطين والأندلس. وعندما كان الصليبيون يحاولون السيطرة على القدس – وقد نجحوا لحد ما لمدة قرن كامل – كانوا في نفس الوقت يحاربون نفس الأمة؛ وهي: الأمة المسلمة في الغرب في أرض الأندلس.

ولقد جاهد الأندلسيون جهادا طويلا مستمرا لمدة ثمانية قرون، وكانوا كلما ضعفت دولهم، وتشتت نسلهم وجدوا في المغاربة - عبر مضيق جبل طارق - المعين والمساند الذي أوقف هجوم الغادرين عليهم.

وهكذا لما انتهت الدولة الأموية في الأندلس وعاصمتها قرطبة، وتحولت الأندلس من دولة واحدة إلى دول طوائف متشتتة، وصل عددها إلى حوالي ثلاثين دولة، طلبوا مساندة المغاربة الذين كان يحكمهم في ذلك الوقت: الدولة المرابطية، فوصلت إلى الأندلس، ووحدت جمعهم، وأوقفت الغزو الصليبي بانتصار كبير.


ثم لما انهارت الدولة المرابطية؛ دخل الموحدون - كذلك - وأنقذوا الموقف، وبعد ذلك لما انهارت معظم القواعد الإسلامية ودخلت قرطبة وإشبيلية ومُرسية وغيرها بيد المستعمر، ولم يبق إلا الركن الجبلي حول مدينة غرناطة؛ كانت الدولة المرينية في المغرب كذلك المساند المتواصل.

وكان آخر عبور للجيوش المغربية للأندلس في القرن الرابع عشر، وانهزمت في معركة: Rio Salado، ومنذ ذلك الحين ضعفت الدولة المغربية، ولم يعد بمقدرتها مساندة إخوانها في الأندلس، فلما ضعفت الدولة المغربية؛ أصبحت الأندلس لأول مرة عاجزة عن الدفاع عن نفسها إلا بقواتها الخاصة.

وهكذا؛ لما حدث في أواخر القرن الخامس عشر وتشتتت وحدة الأندلسيين نفسهم، وفي نفس الوقت توحدت الدول النصرانية في شبه الجزيرة الإيبيرية، وقرروا العزم على استئصال آخر دولة إسلامية في الأندلس؛ استغاث الأنلدسيون فلم يجدوا من يغيثهم، وهكذا احتلت غرناطة سنة 1492، وأصبح عدد كبير من المسلمين تحت رحمة الحكم الصليبي في ذلك الوقت من طرف الملكين الكاثوليكيين: فرناندو دي أراغون، وإيزابيلا ملكة قشتالة. Fernando de Aragon y la Reina Isabela

أنا لا أريد أن أعطي تفصيلا أكثر من هذا فيما يخص الدولة الإسلامية في الأندلس، إلى وقت سقوط غرناطة، ففي المراجع العربية الكثير عن هذه الحقبة، ولكن المراجع العربية تقف عند سقوط غرناطة وتتصرف وكأن نهاية الأمة الأندلسية انتهت بسقوط غرناطة، والحقيقة أن مصائب الأمة الأندلسية ابتدأت بسقوط غرناطة.

كيف استطاع الأندلسيون الحفاظ على هويتهم عبر قرون:
عندما سقطت غرناطة؛ تعهد الغزاة القشتاليون والأراغونيون الذين توحدوا في ذلك الوقت على احترام دين المغلوبين وحضارتهم ولغتهم العربية وكتبهم الإسلامية، ومساجدهم، وحتى الاعتراف بالشريعة الإسلامية في معاملاتهم الخاصة.

وكان الأندلسيون وافقوا على الاستسلام بهذه الشروط الطويلة العريضة التي تعهد بها ملك إسبانيا وملكة إسبانيا عليهما إلى الأبد. ولكن ما سيطر الغزاة على أرض غرناطة إلا ونكثوا كل عهودهم واحدة تلو الأخرى، ونحن الآن وصلنا إلى أواخر القرن الخامس عشر إلى بداية القرن السادس عشر؛ ماذا حدث؟.

في الحقيقة؛ كان سكان مملكة غرناطة حوالي مليون نسمة، فبسبب الحروب والتهجير هاجر منها نحو نصف مليون وبقي نصف مليون مسلم تحت حكم القشتاليين، وكان يعيش في الجزيرة الإيبيرية مئات الآلاف من المسلمين المدَجَّنين؛ يعني: المسلمين الذين قبلوا الحكم المسيحي عندما غزا المسيحيون أراضيهم منذ قرون متعددة، لدرجة أن ثلث سكان مملكة بلنسية Valencia – شرق الأندلس، والتي غزاها الإسبان في القرن الثالث عشر – كان ثلثهم من المسلمين المدجنين، وكان عشرون في المائة من سكان مملكة أراغون في أقصا الشمال الشرقي، ما يسمى الآن: سرقوصا (سرقسطة) Zaragoza وبرشلونا،Barcelona على حدود فرنسا، عشرون في المائة منهم في القرن السادس عشر كانوا مسلمين من المدجنين، يعني ذلك: أنها كانت هناك جماعات كبيرة من المسلمين تحت الحكم النصراني لمدة قرنين أو ثلاثة قرون، تعيش دون أن يذهب دينها، ودون أن تضمحل شخصيتها الإسلامية.

نعم؛ مثلا سكان أرغون كانت ضاعت لغتهم العربية، ولم يعودوا يعرفونها، ولكن حافظوا على دينهم ومساجدهم، وقضاتهم، وبهذا أصبح في أوائل القرن السادس عشر ما يعادل تقريبا مليونا ونصفا إلى مليونين من السكان المسلمين تحت الحكم النصراني، أي: ما يعادل - تقريبا - خمسة وعشرين في المائة من مجموع سكان إسبانيا.

وسرعان ما سيطرت إسبانيا على هذه المجموعة الكبيرة من المسلمين، وقررت تنصيرهم بالقوة، وأول عمل عملوه هو: إحراق الكتب الإسلامية جميعها في الساحات العامة، ثم أجبروا المسلمين على تنصير أسمائهم، ثم حاولوا تنصيرهم بالمداهنة والترغيب والترهيب، فتنصر كثير منهم. مثلا: تنصر الأميران نصر وأخوه محمد ابنا السلطان أبي الحسن، وأخوا السلطان محمد أبي عبد الله، وتنصرت عائلة بني غاش، وتنصر سيدي علي النيار حاكم المرية، وتنصرت عائلات كثيرة.

كما هاجر عدد كبير من زعماء الأمة إلى المغرب؛ من بينهم: بنو سراج وغيرهم. ولكن الأكثرية الساحقة من السكان والأهالي رفضوا التنصر، ولم يتمكنوا كذلك من الهجرة.

وحوالي سنة 1500 قررت الكنيسة الكاثوليكية تنصير المسلمين بالقوة، وتعميدهم، وقامت ثورات متعددة أزهقت فيها الأرواح الكثيرة، وأرغموا جميعا على التنصر في البشارات وغيرها، وهكذا مر القرن السادس عشر بأكمله والمسلمون يذوقون الأمرين من محاكم التفتيش التي تكونت لتنصير المسلمين ومراقبتهم حتى لا يقوموا بأي عمل إسلامي في نظرهم.

وهكذا؛ تحولت هذه الجماهير الأندلسية إلى أمة مزدوجة الشخصية، فهي في الظاهر بالقوة أصبحت أمة مسيحية، ولكن أصبحت بأكملها مسلمة سرا، وكونت لنفسها بعد أن منعت من استعمال اللغة العربية لغة خاصة بها، وهي ما يسمى باللغة الأعجمية Aljamiado وهي لغة إسبانية تكتب بالحروف العربية، هذا الكتيب – مثلا – [بين يدي المحاضر كتاب بلغة الألخاميادو] يعطي فكرة عن هذه اللغة يمكن أن تروه، هي إسبانية بالحروف العربية، وتوجد الآلاف من هذه الكتب بهذه اللغة في المكتبات الإسبانية. وبهذه اللغة كتبوا التفسير والسيرة النبوية، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والتاريخ الإسلامي، وتعلم أبناؤهم سرا المباديء الإسلامية...وهلم جرا.

لدرجة أنه أعطيت لهم بعض الفتاوى من فقهائهم ومن فقهاء المغرب كذلك يعلمونهم كيفية المحافظة على دينهم سرا، وكيف يصلون سرا، وكيف يصومون سرا...وهلم جرا.

وفي عام 1568 ضاق المسلمون في الأندلس ذرعا من هذه الحالة، وقرروا الثورة، فكانت ثورة البشارات العظمى. البشارات هذه: جبال جنوب غرناطة الشاهقة، ثار المسلمون فيها، ثم انتشرت الثورة إلى جميع مناطق مملكة غرناطة، واستطاعوا تحرير مناطق شاسعة، واستغاثوا للمرة الأخيرة بالمسلمين، بالدولة العثمانية، فاعتذر السلطان آنذاك بأنه سيفتح قبرص، وبعد ذلك سيساعدهم، واستغاثوا بالمغرب، واستغاثوا بمصر، وتونس، ولكن لم يُغاثوا، ولكن بعد ثلاث سنوات انهارت الثورة، وذبح المسلمون، وشرد ما تبقى من أهالي غرناطة في جميع الجزيرة الإيبيرية.

ورغم ذلك؛ لم يتنازل الأندلسيون عن دينهم الإسلامي، ولم يتنازلوا عن محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وعن معرفتهم بالقرآن الكريم، ولو سمح لنا أن نقرأ - مثلا - قصائدهم ومدائحهم باللغة الإسبانية لرأينا الشعور القوي بينهم وبين الإسلام رغم العذاب والاضطهاد الذين أصاباهم. وعندما أقول: العذاب والاضطهاد؛ أقول لكم: إنه كان يكفي أن يفضح الابن لمحاكم التفتيش أباه ويقول: "إنه علمه سورة الفاتحة" مثلا، يكفي ذلك لكي يُزج بكل العائلة في السجن وتحرق بالنار، تحرق بالنار!. وحُرق بسبب اتهامهم آلاف المسلمين من رجال ونساء وأطفال.


الطرد من الأندلس:
وانتهى القرن السادس عشر ودخل القرن السابع عشر وأخذ المسلمون من جديد في بلنسية وأرغون والأندلس – جنوب الجزيرة الإيبيرية – يستغيثون بالدولة العثمانية، وحيث كانت الدولة العثمانية قوية؛ أصبح إمكان مساعدتها للأندلسيين إمكانية حقيقية، ولذلك أخذت الكنيسة تخاف من وجودهم.

وحيث إن الكنيسة يئست يأسا كاملا من تنصيرهم؛ أخذت تحاول إقناع ملك إسبانيا بأن يطردهم جميعا من الجزيرة الإيبيرية.

وهنا أريد أن أوضح كلمة يسمي بها الإسبان المسلمين الأندلسين. الإسبان كانوا يسمون المسلمين في الأندلس بكلمة: "مورو"، وعندما أجبروا المسلمين على التنصر سموهم ما يسمى بالمسلمين المتنصرين، وهم لم يتنصروا في الحقيقة، بل أجبروا على التنصير، سموهم بـ: "موريسكوس"، "موريسكو" هي تصغير: "مورو"، تصغير للاحتقار، ولذلك عندما نقول في هذا الكتاب: "تاريخ مسلمي الأندلس الموريسكيين"، الموريسكيون هم: المسلمون الذين كانوا مسلمين سرا ونصارى ظاهرا، أو على الأقل رسميا.

وفي سنة 1609 قرر طاغية إسبانيا لذلك الوقت طرد المسلمين جميعا، وفي الحقيقة لم يستطع طردهم، بل طرد معظم مسلمي مملكة أراغون، حيث طرد حوالي 250 ألف نسمة من منطقة بلنسية، وأراغون، وقطلونيا، أما منطقة قشتالة والأندلس؛ فلم يطرد منهما إلا 250 ألفا فقط، بينما كان عدد الإسبان المنحدرين من المسلمين لذلك الوقت ما يعادل مليونا ونصفا، فيكون في الحقيقة طرد معظم المسلمين في مملكة أرغون، ولم يطرد إلا قسما ضئيلا من المسلمين في مملكة قشتالة، وفي جنوبها؛ يعني: المنطقة التي تسمى اليوم: الأندلس. طُردوا في أسوأ الأحوال، نُزعت أملاكهم جميعا، وجمعوا في نقاط من الشاطيء، وكلفت بواخر بأخذهم للشواطيء الإسلامية، وكثيرا من الأحيان كانت تلك البواخر تلقيهم في وسط البحر لأخذ ممتلكاتهم التي كانت معهم، وفي كثير من الأحيان كانوا يصلون الشواطيء المغربية، وكانت القبائل التي تجهل شكلهم – لأنه بعد مائة سنة وهم في الظاهر نصارى أصبحوا لا يعرفون اللغة العربية وأسماؤهم أجنبية، وشكلهم نصراني – فحتى لما دخلوا المناطق الإسلامية؛ لم يستقبلوا بالاحترام والتقدير والمساندة إلا في المدن المتحضرة، فعوملوا في البادية أحيانا معاملة سيئة.

ولذلك؛ يقدَّر أن من بين خمسمائة ألف الذين طُردوا: حوالي 250 ألفا شُردوا أو ماتوا أو قتلوا، إما في إسبانيا نفسها أو في البحر، أو عند وصولهم إلى شواطيء شمال إفريقيا، وكثير منهم هاجروا إلى فرنسا ومنها إلى الدولة العثمانية أو غيرها.

وهنا أريد أن أذكر صورا من العذاب الذي حل بهم، وكل هذه المعلومات تأتينا من المراجع الإسبانية فقط، لأنه - مع الأسف الشديد - المراجع العربية شحيحة جدا بكل معلوماتها عن الموريسكيين بعد سقوط غرناطة.

فمثلا: اتخذ قرار في مدينة بلنسية أن كل من يجد موريسكيا في مملكة بلنسية له الحق أن يأتي به حيا أو ميتا، فإذا قتله؛ يأتي برأسه ويأخذ قدرا من المال، وإذا أتى به حيا؛ فيأخذ نصف القدر، وله أن يصيِّره عبدا عنده، أي: أن يستعبده. هذا يعطيكم فكرة في أن معاملة المسلمين كانت أشر من معاملة الحيوانات، وقد عملت الدولة على استعباد الآلاف منهم عندما رفضوا الخروج من البلاد.

الشعب الأندلسي لم يطرد جميعه من الأندلس:
وهذا يوصلنا إلى حقيقة تاريخية أخرى؛ وهي: أنه عندما نقرأ في كتب التاريخ – إن كانت العربية مع الأسف، أو الأجنبية – يقال: "إن العرب أُخرجوا من الأندلس"، الحقيقة هنا: أن الشعب الأندلسي لم يُطرد من الأندلس جميعه، وإنه رغم الطرد المتواصل بقيت في المنطقة الجنوبية كميات كبيرة من الذين غُلبوا على أمرهم، ورغم ذلك حافظوا على دينهم إما سرا أو تناسوه قهرا، وأصبحوا مسيحيين دون أن تدخل المسيحية قلوبهم، خاصة في المناطق الجنوبية التي تسمى اليوم: الأندلس.

وبرهان ذلك: أنه بعد الطرد الأخير الذي استمر من سنة 1609 إلى سنة 1614 يعني: لمدة خمس سنوات، اكتشفت محاكم التفتيش من وقت لآخر مساجد سرية، وأحرق بالنار - مثلا في القرن الثامن عشر - أكثر من ثمانمائة شخص اكتُشفوا أنهم مسلمون في غرناطة، بينهم أطفال ونساء ورجال. فلو كان المسلمون قد طُردوا؛ كيف يكون هذا التواجد الإسلامي المتواصل في هذه المنطقة؟.
حاضر الإسلام في الأندلس

الحركة القومية الأندلسية:
وفي القرن التاسع عشر – يعني: قبل مائة سنة – أخذ الإسلام في جنوب الأندلس – حيث بقيت الآثار البشرية الإسلامية أكثر من غيره – أخذ شكلا جديدا، وهو على صورة ما يسمى: "القومية الأندلسية"، أخذ بعض المفكرين في مدن كقرطبة وإشبيلية، وغرناطة والجنوبية، يقولون: "نحن لنا حضارة مختلفة، نحن لسنا إسبانا في الحقيقة، نحن حضارتنا هي: الحضارة الإسلامية:

هذه الحركة لم تكن حركة دينية، ولكن كانت حركة تتماشى مع سياسة العصر في أوروبا في ذلك الوقت، حركة القوميات المختلفة، فأخذ الأندلسيون بانجذاب إلى الإسلام يكوِّنون قومية جديدة لأنفسهم رغم أنه لم تكن لهم لغة خاصة بهم، ولكن كان لهم انتماء خاص بهم، هذا الانتماء هو: الانتماء للتاريخ الإسلامي ولوجوده في الأرض الأندلسية.

وحاربت الدولة هذه النعرة الجديدة محاربة شديدة، وآخر زعيم من زعماء هذه الحركة القومية الأندلسية اسمه: بلاس إنفانتي Blas Infante. بلاس إنفانتي هذا من مدينة كاساريس Casares من ولاية مالقة Malaga، رحل للمغرب في سنوات 1920، واعتنق الإسلام، وتعلم العربية، وهو يعد اليوم والد القومية الأندلسية في الأندلس، وقد قتله فرانكو في أول إبانه سنة 1936 في إشبيليا رميا بالرصاص بسبب أفكاره هذه.

وظل الإسلام تقريبا ميتا غير موجود، خاصة في قوانين لم تمكنه من الوجود؛ لأن الدولة الإسبانية منذ سقوط غرناطة إلى عام 1975 كانت دول كاثوليكية، والدين الكاثوليكي هو الدين الرسمي في الدولة، ولم يكن أي حق لأي مواطن يتبع دينا آخر، ولم يتحول هذا الوضع إلا بعد موت الجنرال فرانكو سنة 1975، فحدث في إسبانيا تغير جذري في غاية الأهمية، حوّل الأوضاع التي كانت عليها البلاد منذ توحيد الدولة الإسبانية بتوحيد دولتي قشتالة وأراغون، أي: قبل خمسمائة سنة.

وذلك أن الدولة الإسبانية تحولت من دولة وحدوية ذات دين واحد وعاصمة واحدة، إلى دولة اتحادية تعترف بالثقافات الأخرى، وتعترف بالاستقلال الذاتي للمناطق الأخرى التي لها شخصية ثقافية خاصة بها.

وكذلك لأول مرة لم يعد الدين الكاثوليكي الدين الرسمي للدولة، وأصبحت الدولة علمانية تعترف بحق المواطن في اتباع أي عقيدة يراها، وكان هذا المجال مجالا مناسبا لرجوع الإسلام إلى إسبانيا، وبالأخص في الأرض الجنوبية: أرض الأندلس.

ماذا حدث؟.

في هذا الجو الجديد؛ طلبت قطلونيا – قطلونيا كانت في الحقيقة هي المركز الأساس لدولة أراغون في التاريخ. إذ في حروب من الدولة الإسلامية في التاريخ كانت دول مسيحية متعددة، وهذه الدول المسيحية المتعددة كانت لكل واحدة شخصية قائمة بها، وكانت لكل واحدة لغتها، فلم يكن يربط بعضها البعض إلا الصليبية وعداوتها للإسلام، ومن هذه الدول: كانت مملكة أراغون، ومملكة أراغون التي انقسمت إلى ولايات منها الآن ولاية قطلونيا التي لها لغة خاصة بها، وهي: اللغة القطلونية.

فالقومية القطلونية قومية مبنية على لغة حول هذه اللغة، وتاريخ حول تاريخ مملكة قائمة بها في الماضي، وهكذا اعترف بالاستقلال الذاتي لقطلونيا بعلَمها ولغتها الرسمية، وعاصمتها وبرلمانها الخاص، وعاصمتها هي: برشلونا كما تعلمون.

ثم اعتُرف ببلاد الباسك، وهم لهم لغة خاصة بهم كذلك، وبلاد الباسك كانت في الحقيقة الأساس لمملكة ناخارا، التي كانت أول مملكة حاربت المسلمين في الماضي، ولهم لغة خاصة بهم ليست حتى لغة لاتينية، وأصبحت منطقة الباسك الآن ذات استقلال ذاتي، ولها حكومتها...وهلم جرا. وهكذا غاليسيا، وهكذا مناطق أخرى.

فجاء الأندلسيون وقالوا: "نحن لنا قومية خاصة بنا"، رغم أنهم ليست لهم لغة خاصة بهم، وتبنوا مباديء بلاس إنفانتي ، وبعد اللتي واللتيا؛ أجري استفتاء عام، وصوتت ثمانية ولايات جنوب إسبانيا بانتمائها لهذه القومية الأندلسية، وهكذا تكونت منطقة الأندلس ذات الاستقلال الذاتي، وعاصمتها: إشبيليا، بحكومة محلية، وبرلمان محلي، وعلم أخضر أبيض أخضر، أعادوا به العلم الأندلسي القديم، ونشيد قومي يعتز بأمجاد المسلمين، فأصبحت منطقة من مناطق إسبانيا متبنية في الحقيقة التاريخ الإسلامي، وتعتز به، ما أصبح أحسن جو لانتعاش إسلامي جديد في المنطقة.

عودة الأندلسيين للإسلام:
أخذت الجماعات الإسلامية تتكون أواخر السبعينيات، وكانت أول جماعة تكونت في أول الثمانينيات، وتكونت في الحقيقة من منبعين مختلفين: الآن نأتي إلى الوضع الحاضر في الحقيقة:

المنبع الأول: هو المنبع الصوفي:

والمنبع الثاني: هو هذا المنبع المتواصل من المنبع الأندلسي.

أما المنبع الصوفي: فأساسه أنه كان بعض الشبان الأندلسيين - أو الإسبان بصفة عامة، ليس فقط الأندلسيين - التقوا بإنجليزي مسلم كان أسلم على يد شيخ من الطريقة الدرقاوية في المغرب: الشيخ محمد بن الحبيب الأمغاري، في مدينة مكناس، ودخلوا في طريقته، ثم صارت أعدادهم تتكاثر، وكونوا في أوائل الثمانينات جمعية اسمها: "جمعية العودة إلى الإسلام في إسبانيا". واجتمعوا في مدينة غرناطة، وهذه الجمعية تحولت بعد ذلك وأصبحت سلفية، والآن لها وجود متواضع في مدينة غرناطة.

أما التيار الثاني: فهو التيار الآتي من هذا التاريخ الأندلسي، وهو متكون من جماعة مثقفة من الجامعات الأندلسية، وكان عددهم ضئيلا في الأول، وابتدأوا في مدينة إشبيلية، ثم تكتثروا حتى أصبحوا الآن يعدون بالآلاف، وأسسوا المراكز الإسلامية الأندلسية في سبعة مدن؛ وهي: إشبيلية، وقرطبة، والجزيرة الخضراء، وشريش، ومالقة، ومرسية، والمرية. ولهم أتباع في المدن والقرى الأخرى.

وهم يرون أنهم السلالة المعاصرة للأندلسيين القدماء، وبهذا يرون أنفسهم النتيجة المتواصلة لمن سبقهم من قبل، ويحاولون الدعوة إلى الإسلام بين مواطنيهم في الجامعات والمؤسسات والمخابر، وقد تكاثر عددهم جدا، حتى إنهم أقاموا مؤتمرا دوليا هذه السنة [1989] في مدينة بقرب الجزيرة الخضراء حضرها عدة مئات منهم ومن المتعاطفين معهم، وكان المؤتمر ناجحا للغاية.

وهذه الحركة تجد تعاطفا في الأوساط الأندلسية؛ لأن الرجوع للإسلام في الأندلس لا يراه الكبار بعين سيئة؛ فمثلا: عندما يعتنق الأوروبي الإسلام في فرنسا أو غيرها من الدول؛ يدخل في صعوبات مع عائلته ووالديه وأبناء عمه...وهلم جرا.

أما في الأندلس؛ فمما يثلج الصدر أنه: عندما يدخل الإسلام الشاب أو الشابة يفرح والداه لذلك، ونرى مثلا الشباب المسلم في المراكز الإسلامية، في الحفلات الإسلامية؛ يدعون آباءهم وأبناء عمهم فيأتون ويحتفلون معهم. والفرق: أن الكبار لا يتجرأون على الدخول في الإسلام رغم أنهم يعطفون عليه، بينما يجد الشباب تلك الجرأة؛ إذ في كل المجتمعات للشباب جرأة أكبر.

وهذا الوجود الإسلامي الجديد جعل الاعتراف الإسلامي في إسبانيا له معنى جديد؛ لأن الإسلام في إسبانيا لم يعد كما هو الحال عليه في دول أوروبية أخرى: دينا جديدا أُدخل من طرف المهاجرين فقط. ولكن أصبح دينا محليا فيه أعداد كبيرة من الجمعيات الإسلامية التي يترأسها ويتزعمها ويعمل لها ويدعو للإسلام فيها جماعة من أهل البلد المتأصلين، منهم الذين لا يرون في الإسلام فقط دين عقيدتهم، ولكن كذلك دين أجدادهم وآبائهم، ودين حضارتهم ومستقبلهم.
مستقبل الإسلام في الأندلس

فنقول الآن: ما هو مستقبل الإسلام في إسبانيا؟، أو في الأندلس بصفة خاصة؟.

طبعا؛ المستقبل بيد الله، ولكن اجتهادنا واجتهاد الأخوة في الأندلس، واجتهاد المسلمين الذين يعيشون في الأندلس هو الذي يمكن أن يساعدهم على بناء مجتمع إسلامي في أرض إسبانيا، مدينا للأمة الإسلامية بالانتماء إليها.

فما هم هؤلاء المسلمون في إسبانيا؟.

كما قلت: في إسبانيا الآن أعداد كبيرة من المسلمين الإسبان، وبصفة خاصة الأندلسيين؛ لأن ما حدث في جنوب إسبانيا لا يوجد مثيله في غيرها، لا نجد جماعات إسلامية محلية مثلا في قطلونيا، أو في قشتيليا أو في غايسيا Galicia ، أو في مناطق أخرى.

على فكرة؛ إسبانيا الآن مجزأة إلى حوالي سبعة عشر ولاية اتحادية، لكن نجد الجمعيات الإسلامية المحلية فقط في الأندلس، ويوجد المسلمون المهاجرون.

هؤلاء المسلمون المهاجرون بينهم المغاربة – وهم الأكثرية الساحقة فيما يخص الأعداد – وبينهم المشارقة، وأكثرهم من فلسطين ومن سوريا الذين أتوا إلى إسبانيا كطلاب ثم مكثوا فيها، وكانوا هم الأوائل في الستينات. إذ عندما سمح القانون الإسباني بحرية الأديان كانوا هم الأوائل الذين كونوا الجمعيات الإسلامية، أولا كانت تلك الجمعيات جمعيات طلابية في الجامعات، ثم عندما تخرج الطلبة وأصبحوا يعملون في البلاد، وكثيرون منهم تجنسوا بالجنسية الإسبانية، ومنهم من تزوج في البلاد واستقر فيها؛ كونوا جمعيات إسلامية أخذت تؤسس المراكز الإسلامية التي من أهمها: مركزان إسلاميان أحدهما في مدريد والآخر في برشلونا، ومركز في غرناطة وغيرها.

أما المغاربة؛ فقد كونوا وداديات في المدن المهمة التي يتواجدون فيها، وهذه الوداديات - في الحقيقة - تتكون من مركز إسلامي ومركز اجتماعي، وأخذت في هذه السنين تتكاثر، وفي هذه السنة تنظم المغاربة كذلك على مستوى الدولة الإسبانية بأكملها.

عندما اعترفت الحكومة الإسبانية بالإسلام؛ أصبحت هناك مشكلة أساسية بالنسبة للمسلمين، وبالنسبة للدولة الإسبانية، وجب حلها. وهي: أن الدولة الإسبانية لتعطي للمسلمين حقوقهم لا يمكنها أن تتكلم مع عشرة جمعيات مختلفة، ولذلك توجب على المسلمين أن يتوحدوا ويكونوا اتحادا لجميع الجمعيات الإسلامية.

في الحقيقة؛ توجد – كما قلت – ثلاث جمعيات إسلامية تضم جميع المسلمين في إسبانيا، وهي: "الجماعة الإسلامية في الأندلس" التي تضم معظم المسلمين الأندلسيين، والجمعيات العربية الشرقية، وجمعيات المغاربة.

إن توحيد هذه الجمعيات والتنسيق بين جهودها سيكون له ما بعده إن شاء الله، لكي يحصل المسلمون على حقوقهم في إسبانيا، وتلك الحقوق هي: الحصول على نفس المساندة التي تحصل عليها الكنيسة أو يحصل عليها اليهود لتأسيس مراكزهم الإسلامية ومساجدهم وتعليم أبنائهم.

وقد عملنا مع بعض الأخوة على مساعدة إخواننا المسلمين بتعليم الإسلام والدين الإسلامي في مراكزهم الإسلامية، وذلك بإرسال الأئمة، وأكثر من ذلك وأحسن: بإرسال الطلبة الأندلسيين الذين اعتنقوا الإسلام إلى البلاد العربية لتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي في البلاد العربية.
ولحد الساعة يوجد طلبة أندلسيون يتعلمون اللغة العربية والإسلام في الجزائر وتونس والأردن، والكويت، والسنة الماضية كانوا هناك في قطر، والسنة المقبلة سيكونون كذلك – إن شاء الله – في المغرب وفي تركيا، وباكستان ومصر، ودول مختلفة، والأمل أن نتمكن من إرسال مئات الطلبة الإسبان المسلمين حتى يعودوا إلى بلادهم ويكونوا النخبة التي تساعد على بناء أمة أندلسية جديدة معاصرة، يكون لها دور في إسبانيا القرن الواحد والعشرين، وتكون الجسر الإنساني والحضاري بين أوروبا وبين العالم الإسلامي حتى يعود الإسلام مرة أخرى في شبه الجزيرة الإيبيرية ذلك الدين الذي يطالب بالأخوة بين الشعوب كلها، ويطالب بحرية العقيدة للجميع، لأن المسلمين عندما حكموا الأندلس لم يضطهدوا يهوديا ولا نصرانيا، بل كانوا هم ضحية الاضطهاد، بل كل المواطنين تحت الحكومة الإسلامية كانوا يحصلون على حقوقهم كاملة.

ولكن عندما أضاع المسلمون الحكم، وأضاعوا قوتهم؛ حدث بهم ما حدث من هذه المآسي!.

أهمية ثقافة "الألخاميادو":
وقبل أن أنتهي؛ أريد أن أبين بعض النقاط التي ربما يستفاد من تبيينها؛ وهي:

إن الثقافة الألخاميادية وجب علينا كمسلمين الحفاظ عليها وإخراجها من القبر؛ لأن هذه ثقافة إسلامية يتيمة، وقد أنقذت بوجودها في المكتبات الإسبانية، ولكن – مع الأسف الشديد – في البلاد العربية لا يُهتم بها؛ لأنها مكتوبة بالحروف العربية بلغة لا نفهمها، وهي كذلك مهجورة في المكتبات الإسبانية لأنها رغم أنها إسبانية؛ تعبر عن حضارة ليست تلك الحضارة اليهودية المسيحية التي بُنيت عليها الحضارة الأوروبية. ولكن هي حضارة إسلامية.

وقد اشتهر الكثير من الكتاب بتلك اللغة؛ أسماؤهم العربية الإسلامية غير معروفة، ومن عُرف منهم؛ عُرفوا بأسمائهم الإسبانية؛ فمثلا: المنسيبو دي أفيلو، أو: الأمورا دي أوبيدا La Mora de Avila، هذه سيدة كانت فقيهة تدور على بيوت المسلمين لتعليم المسلمين وأبنائهم سر المباديء الإسلامية. لامورا دي أفيلا. أفيلا: مدينة، يعني: مسلمة أفيلا.

مثلا: خوان ألونصو أراغونيسJuan Alonso Aragonés. هذا عنده ديوان شعري ضخم، ذو روح إسلامية من الدرجة الأولى، وهو يجادل فيه المسيحيين الذين أجبروه على التنصر، وهذا خوان ألونصو أراغونيس كان من سكان بلنسية، وفي آخر أيامه أُحرق بالنار وأُعدم بسبب كتبه، وقد أنقذ ديوانه، وهو موجود في المكتبات الإسبانية، وطبع مؤخرا. ومنهم: إبراهيم دي بلفاو، و: ماهوما رمضان، وهذا من سرقسطة، من أراغون بالشمال. ومنهم: خوان بيريز، واسمه الإسلامي: علي بيريز. ومنهم: بوي دومونسون.

يعني جيل كلهم مسلمون، كلهم كُتاب، هؤلاء مجاهدون مجهولون لم نعرفهم، جعلوا المسلمين في الأندلس يتمكنون من البقاء على إسلامهم رغم سقوط دولتهم لمدة تزيد على أربعة وخمسة أجيال رغم الاضطهاد المتواصل.

وهنا مرة ثانية؛ أريد أن أقرأ قسما من آخر قصيدة بعث بها المسلمون المتنصرون قهرا، الموريسكيون، إلى السلطان بايزيد العثماني يستغيثون به، أقرأ هنا الأبيات التي تصف وصفا واضحا المعاملة التي عومل بها المسلمون عندما أجبروا على التنصر. يقول هذا الشاعر المجهول، الذي نجهل اسمه:
فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم===بدا غدرُهم فينا بنقض العزيمتي
وخان عهودا كان غرَّنا بها===ونصَّرَنا كرها بعنف وسطوةِ
وكل كتاب كان في أمر ديننا===ففي النار ألقوه بهزْءٍ وحقْرَةِ
ولم يتركوا فيها كتابا لمسلم===ولا مصحفا يخلَى به في القراءةِ
ومن صام أو صلى، ويُعلم حالُه===ففي النار يُلقُوه على كل حالةِ
ومن لم يجيء منا لموضع كفرهم===يعاقبه اللبّاط شر العقوبةِ
ويلطم خديه، ويأخذ ماله===ويجعله في السجن في سوء حالةِ

موضع كفرهم: الكنيسة. اللبّاط: الخوري.

ترون أن هذه اللغة ركيكة، هذا آخر ما تبَقى من العربية، وبعد ذلك اندثرت العربية نهائيا؛ لأنهم مُنعوا منها.

وأخيرا؛ أريد أن أقول: إن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وما يضر قسما منها يضر الأمة بأكملها، وما يعطي القوة للمسلمين في قطعة من الأرض فهو قوة للمسلمين جميعا، وإذا كانت مصائب المسلمين تكاثرت، وهجوم الأعداء عليها تنوعت، فهذا لا يعني أننا يجب علينا أن نتجه اتجاها واحدا، ولكن النضال والجهاد يجب أن يكون في جميع الاتجاهات، وعلى جميع الأبواب.

وهنا أكرر استنجادا استنجده الوزير الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب عندما كانت الدولة الإسلامية لا زالت قائمة في القرن الرابع عشر، هو استنجاد لا زال قائما إلى اليوم، فإذا كان الشباب الأندلسي اليوم في إسبانيا والأندلس يحاول جهده الرجوع للإسلام وتعلم القرآن واللغة العربية، ومسح العار الذي دخله أجداده وكان ضحية له لمدة قرون؛ فمن العار حقا أن تتجاهله الأمة الإسلامية ولا تساعده.

قال لسان الدين ابن الخطيب مستنجدا:

"فقد استغاث الدين فأغيثوه، قد تأكد عهدُ الله وحاشاكم أن تَنْكُثوه، أعينوا إخوانكم بما أمكن من إعانة أعانكم الله عند الشدائد، جددوا عوائد الخير؛ يصلُ الله لكم جميع العوائد، أدركوا رمَق الدين قبل أن يفوت، بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت"...

وبهذا أشكركم على حسن إنصاتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأنا تحت أمركم لتوضيح أي نقطة جاءت في كلامي، أو الإجابة – حسب المستطاع – على أي سؤال تفضلتم بإلقائه.
أسئلة وأجوبة

أوضاع المسلمين في سبتة ومليلية:
س. نريد توضيحا موجزا عن مدينتي سبتة ومليلية، وأوضاع المسلمين هناك، وماذا فعلت الحكومة المغربية بخصوص استعادتها، ولكم جزيل الشكر؟.

ج. طبعا؛ مدينتا سبتة ومليلية هما مدينتان مغربيتان تحت الاستعمار الإسباني، كما توجد ثلاثة جزر على الشواطيء المغربية هي كذلك تحت الاستعمار الإسباني، وهي: الجزر الجعفرية، وجزيرة بادس، وجزيرة نكور.

فأما سبتة؛ وهنا أريد أن أقول بأن الغزو المسيحي الصليبي على الأندلس وشبه الجزيرة الإيبيرية، وعلى المسلمين في الأندلس؛ لم ينته بوصولهم إلى البحر، إذ كما تعرفون إن التمازج والتزاوج بين الأمة الأندلسية والأمة المغربية كان تمازجا كاملا، فلم يتأخر المغرب لحظة عند الإمكان في الدفاع عن الأمة الأندلسية.

ولذلك؛ كان من الطبيعي أن الغزو الصليبي على الأندلس لم يقف عند البحر، ولكن حاول أن يصل إلى شمال إفريقيا كذلك، وخاصة المغرب. وهكذا في القرن السادس عشر وقعت جميع الشواطيء المغاربية والمغربية - بصفة خاصة - تحت الاستعمار البرتغالي الإسباني، وذلك باتفاق مع بابا روما الذي قسم شمال إفريقيا بين إسبانيا والبرتغال، فأعطى المنطقة الغربية - يعني: غرب مدينة مليلية - إلى البرتغال، والمنطقة الشرقية - شرق مدينة مليلية - إلى إسبانيا. وهكذا احتلت البرتغال سبتة وطنجة وأزيلا، والدار البيضاء، والجديدة، وتقريبا شواطيء المحيط الأطلسي المغربية كلها، وشمال المغرب. واحتلت إسبانيا مليليا ووهران، واحتلت في كثير من الأوقات مناطق حتى من تونس، ومدنا كثيرة في الجزائر وجربة وبنزرت...وهلم جرا.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلت هذه المحاضرة للأستاذ الكتاني للاطلاع رغم اني لست متفقة على بعض ما ورد فيها

الزاهوية
عضو نشيط
عضو نشيط

الجنس : انثى عدد المساهمات : 62
درجة التقدير : 0
تاريخ الميلاد : 14/12/1976
تاريخ التسجيل : 16/09/2012
العمر : 41

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى