منتديات جبالة Montadayat Jbala
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضوا معنا
او التسجيل ان لم تكن عضوا وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا

اذهب الى الأسفل

تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا

مُساهمة من طرف الزاهوية في الخميس ديسمبر 06, 2012 10:00 pm

تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا" -1-
دعوة الحق
203 العدد
عن حياة صاحب الكتاب ( 1833-1891م):
اسمه الكامل بيدروا انطونيودي الاركون انحدر من سلالة اندلسية (عربية) كالكثير من أبناء إقليمه الغرناطي المشتمل على قرى ومداشر ومدائن ما زالت تعج بالسلالات العربية وتجرى في عروقها دماء النخوة الهاشمية وتحافظ على العادات والمآثر الاندلسية.
ولد فيها صاحبنا الاركون في 10 مارس 1833 بمدينة واداش ذات الطبيعة الخلابة والطابع العربي الأصيل الذي لا يخفيه الا تلك المسوح المسيحية ولا يحجبه إلا ذلك الضباب الكثيف من فعل السنين وتراكم الأجيال .
في ذلك الوسط الفواح بالأمجاد الأصيلة نشأ الاركون عصاميا عبقريا وهو ما زال في حداثة سنه ، يعشق المعالي ويتشوف لإدراك الغايات البعيدة والظهور في المجتمعات الراقية والمشاركة في الأعمال الجليلة وخوض غمار المغامرات وركوب متن الرحلات والأسفار ...مسخرا في سبيل نيل ذلك كله طموحه النبيل وهمته العالية وادبه الجم وقلمه السيال وذكاءه الحاد وثقافته الواسعة ذات الأبعاد التاريخية واللغوية والادبية والفنية..
اتفق النقاد الاسبان على ان ثقافة الاركون ذاتية عصامية استمدها من فرط ما كان يقرأ ومن كثرة ما كان يبحث ويحاور ويسافر...ومن شغفه بتتبع الأحداث وملاحقة الأخبار ومجريات الأمور الوقتية والعالمية العابرة والغابرة...اذ كانت الصحافة في وقته ( القرن التاسع عشر) مزدهرة في أسبانيا وفي العالم الغربي ودور الطبع والنشر كذلك كانت اذ ذاك في الاوج بمختلف اللغات التي كان الاركون يقرأ ويجيد بعضها...مما جعل منه قارئا لها وكاتبا لا معا وصحافيا بارعا وأديبا جامعا وشاعرا ممتازا ...معدودا من الطبقة الرومنطكية.
ومن ثمة جاء أسلوبه في الكتابة محكما رائعا..
ينساب في خفة ورشاقة، وفي عفوية تامة لا تكلف فيه ولا تفعير، خال من الإسفاف ومن ركاكة العامية ومن هجنة الصحافة ومن الألفاظ الدخيلة وتداخل اللغات فكان بحق من خير النماذج الراقية في اللغة الأسبانية ..وبالتالي كان الاركون من جملة الكتاب الرومانسيين الأسبان في عصره.
فهذا يتمثل جيدا في أسلوب الكتاب الذي نحن بصدده فهو وان كان موضوعه يوميات...كيوميات الصحافيين المعهودة فانه يوفى بالغرض منها في تصوير المشاهد والوقائع حسبما تراه العين وتسمعه الإذن ..ثم انه يتجاوزها الى ما يحيط بها من خلفيات واماميات وما توحى به من أفكار واستنتاجات وما تبعثه من لواعج واحساسات وما تقتضيه من استطرادات واستفاضات ..وحتى ما يجملها من خيال ويحسنها من تشبيهات واستعارات بالاضافة الى ان كلماته ومفرداته ابعد ما تكون عن الدارجة الاسبانية وعن لغة الاكاديمية .. كانه يكتب لطبقة خاصة لا لعامة الناس.. ومع ذلك لا تفارقه السلاسة ولا تزايله العذوبة .. ما جعله دائما في متناول الجميع ويغرى به سائر القراء والباحثين..
واعتمادا على ما قرره النقاد الذين احاطوا بمؤلفات الاركون – وهي كثيرة –فان اسلوبه الممتاز ظل يلازمه في كل ما كتب .وحتى في احاديثه ومسامراته. لذلك كانت النوادي والصالونات الادبية تتنافس في حضوره وترغب في الاستماع اليه والقراءة له وخاصة مدريد التي كانت تجذبه بمحافلها ومسارحها وشخصيتها حيث كانت تربطه صداقات واتصالات باكبر الادباء وابرز الشخصيات من مختلف الاوساط الفكرية والسياسية .. نظرا لوفرة انتاجه القصصي والشعري والمسرحي.. ولما يمتاز به من عذوبة الحديث وامتاع المؤانسة في الجلسات..
وكان مما وصفوه به انه كان محبا للاسفار ومغرما بالرحلات وانه كان يتمنى ان يزور بلادا كثيرة ومنها المغرب الذي كانوا يطلقون عليه " افريقيا " فلما واتته الفرصة بقيام الحرب بين أسبانيا والمغرب سنة 1859 وامتدت الى سنة 1860 م المعروفة بحرب الستين –اهتبلها صاحبنا فرصة سانحة للتطوع في الجيش الاسباني ككاتب صحفي في فرقة تابعة للجيش الثالث الذي غادر اسبانيا في اوائل دجنبر 1859 من مالقة الى سبتة ..اي بعد قرابة شهرين من ابتداء القتال.إذ أن إعلان أسبانيا الحرب على المغرب كان في 22 اكتوبر 1859 ى.. واستمرت الى ان انعقد الصلح بين الطرفين في 25 مارس 1860 أي نحو خمسة اشهر ونيف وقد شاهد الاركون منها نحو ثلاثة اشهر وبضعة ايام اذ وصل الى سبتة صحبة فريقه العسكري يوم 11 دجنبر 1859 وغادر تطوان عن طريق ميناء مرتيل يوم 22 مارس 1860 عائدا الى مدريد أي انه لم يحضر وقائع الفترة الأولى من الحرب ولا وقائع الأيام الاخيرة منها فكان ذلك نقصا لم يسجله في مذكراته ويومياته أثناء الأحداث لذلك تدارك الامر وهو في مدريد فكتب ملحقا لمذكراته ضمنه بواسطة إفادة بعض الضباط ما فاته ولم يشاهده من الأحداث أولا واخيرا ..فجاءت مذكراته مستوفية لأحداث الحرب كلها...
واننا في عرضنا هذا لا نرمي الى ان نتتبع – ولو جزئيا – مع الاركون كل ما كتبه عن تلك الأحداث في سفره الضخم الطويل العريض، وانما نريد ان نبرز بعض سمات الكتاب وسمات الكاتب أيضا الخاصة بما كتبه عن بعض المآثر المغربية وأمجاد المغاربة التي شاهدها عبر المعارك خارج تطوان وهو شيء قليل والتي شاهدها وأعجب بها داخل تطوان وهو الشيء الكثير.. معرضين كلية عما أطال فيه في وصف المعارك والتغني ببطولات الاسبان وأمجادهم .. معرضين كذلك عما أطنب فيه وهو بتطوان من التعرض للجالية اليهودية وتتبع مساوئهم ومخازيهم..اذ انه بقدر ما كان معجبا بالعنصر المغربي كان يمقت العنصر الآخر إلى حد مبالغ فيه..
فميزة الكتاب في نظرنا – زيادة على ما فيه من معلومات قيمة نادرة –هو إنصاف صاحبه في كثير من المواقف واعجابه اللامشروط بالمغرب والمغاربة. يكيل لهم الثناء والاعجاب في كل مناسبة وحتى في ميادين العراك والنزال يكاد يقف في صفهم وينحاز –اقول يكاد ينحاز لأننا رأيناه في مذكراته ينحاز لقومه الأسبان مائة في المائة عند أول عهده بالمغرب قبل أن يحتك بالمغاربة ويسبر غورهم ويعرف حقيقتهم ثم رأيناه يعتدل شيئا فشيئا وهو في طريقه إلى تطوان ثم انه تحول واستيقظ فيه شيء لا ندري ما هو حين وقف على باب تطوان.. وحين وقف على مقابر المسلمين الاولين المهاجرين من الاندلس.. وحين وقف على شرفات القصبة يلقى أول نظرة فاحصة على موقع تطوان واسوارها وابراجها ومساجدها.. ثم حين تجول بتطوان ورأى حال المغاربة.. ثم عندما زار منازلهم واكل من طعامهم وسبر اغوارهم وعرف حقيقتهم – ثم موقفهم الصريح بجانب المغاربة عند مفاوضات الصلح فذلك بعض ما دفع بنا إلى التنويه بالاركون واقتطاف قطرات من كتابه القيم المعدود من خيرة مؤلفاته – ولا أقول أعماله- المطبوعة والمجموعة في 19 جزءا ونشير إلى انه في آخر حياته بلغ قمة المجد والشهرة ومات في قصره المنيف بمدريد في 10 يوليو 1891.

مقتطفات من الكتاب:
استهل الكاتب مذكراته اليومية شارحا الظروف التي دفعت به إلى اقدامه على المشاركة الاختيارية والتطوع التلقائي كجندي في فرقة الخدمة المدنية التابعة للجيش الثالث المعبأ على عجل إمدادا للجيشين الأولين اللذين كانا يقاتلان فعلا في واجهة سبتة ضد الجيوش المغربية منذ أن أعلنت أسبانيا الحرب على المغرب في 22 أكتوبر 1859 ذاكرا إن انطلاقته الأولى كانت من مالقة يوم 11 دجنبر 1859 قائلا: وأخيرا وبعد شهر من الانتظار جاء يوم ركوبنا .. سنقاسم إخواننا الذين يحاربون في الضفة الأخرى من البوغاز واسطولنا يتكون من 20 باخرة (باسمائها) وعلى ظهرها عشرة آلاف جندي (ذكر طوابيرها) وكتيبة من الخيالة واخرى من الدفعية .
ولما كان في عرض البحر ولا حت له صخرة جبل طارق قال عنها: تأملتها واني خجلت ان أرى مستعمرة اجنبية في التراب الاسباني.. قال: وأنا أجول نظري عنها إلى جهة سبتة التي هي بالنسبة إلى الأسبان تعويض عن ضياع جبل طارق.. والتي هي رهان ومبارزة لا تنقطع بيننا وبين المغاربة..
ولما بدت له معالم سبتة وهضابها وجبالها راح يلتهمها بنظراته ويرشقها بكلماته ويشيعها وصفا وتبيانا قطعة قطعة حتى كانه يعرفها من قبل ..
وحين صاح النفير معلما بالوصول صاح هو ايضا ((ساطأ ارض افريقيا)) ثم ذكر انه قفز في شوق الى اول زورق الى بر الميناء وكتب عن هذه اللحظة، لا استطيع إلا أن احنو على ركبتي وأتوجه إلى الله واهتف : إفريقيا .. أنت لي ..،
نجتاز معه تلك المرحلة الأولى التي اشبع كل شيء رآه أثناءها أوصافا وتهليلا وتقف على التقائه صدفة في أزقة سبتة بصديقين له (يظهر أنهما من المغرب) كان يعرفهما من قبل وقد ابتهج بلقائهما غاية وقدمهما للقراء بقوله :
احدهما ترجمان في المعسكر العام واسمه انيفال صغير السن يتكلم لغات اكثر من سنوات عمره، واسم الثاني مصطفى عبد الرحمان ، قال : ومعهما كنت اعددت السفر الى المغرب منذ اربع سنوات ولم يتحقق ذلك من جهتي ..
وتصوركم كان ابتهاجي عندما وجدتهما في هذه الأرض .. ثم ذكر ان بفضلهما تعرف على أماكن عربية هناك ومنها خلوة لزاهد مغربي توجد بسبتة ويطلقون عليها(( مسجد )) وصفه بانه صغير مبني بالحجارة والجير مقسوم إلى ممر مستطيل والى قاعة للعبادة بداخلها ضريح لصالح ومنبر صغير وعلى الجدار كلمات عربية بلون اخضر عرفت أنها (( باسم الله الرحمان الرحيم )) بفضل صديقي الأول ( الذي ذكره انفا).
ثم ذكر انه تابع سيره صاعدا ليزور القصر المغربي الذي كان يقع على تل هناك مشرف على مدينة سبتة والذي كان يدعوه الأسبان (( سيرايو او السراي)) ويدعوه المغاربة " الدار البيضاء" والمعروف أن من بناته القائد احمد الريفي حاكم تطوان ونواحي الشمال أيام المولى إسماعيل عند ضربه الحصار على سبتة لعدة سنوات .وصفه الاركون وصفا مسهبا جاء فيه: كان يقع في وسط غابة من الإحراج والاحراش الا أن الجند قطعوا الأشجار للتدفئة ليلا ونهارا وبقى القصر في جلال وكبرياء.. ولا شك انه كان قصرا عظيما..يتكون من طبقة واسعة تتيح على الأقل حياة ناعمة ولم يبق منه اليوم الا النصف وبعض الساحات الداخلية نصف خربة يشاهد فيها بعض الزخارف والفسيفساء الرائعة والدالة على الجمال الذي كان عليه القصر وان الطراز الذي يبدو في شرفاته وردهاته هو نفس طراز مسجد قرطبة ونفس الذوق الانيق الكائن بقصر الحمراء وقصر اشبيلة ..ويظهر في حجرة ليئة بالانقاض انها كانت احد الحمامات ..ورأيت قبة ذات قيمة عظيمة وقطعة كتابة ما زالت محتفظة بلونها الذهبي رغم الامطار والرياح.. ولم يخل القصر من ساحات بصهاريجها وعقود وسواري وجناح حرمي وجناح رسمي ومن قلاع واسطبلات وبرك وسواقي .. ولكن كل هذا قد تهدم من طرف البداة والغزاة .. وكان مرمما ولكن بكيفية غير لائقة بقصور العرب.. ومازال ممكنا اعادة بنائه إلى ما كان عليه بقليل من الصبر والانتباه حتى يعود كائنا حيا رافعا رأسه على تلك الربوة وحارسا هذه الشواطئ والممرات التي تصل اسبانيا بالمغرب وتربط المغرب بالمشرق قبلة المؤمنين وموطن الدين.. وختم الاركون هذا الوصف بان جانب القصر المقابل لسبتة ليس فيه ما يستحق الذكر الا تلك الصومعة الرشيقة المورسيكية التي ترفرف عليها الراية الاسبانية والا جدارا مكتوبا عليه بعابارات نارية ما سجلته الصفحات الاولى من تاريخ الحروب الاسبانية..
ومن هناك انطلق الاركون والتحق بفرقته وشرع في تدوين يومياته ..يوما بيوم ..يتتبع المعارك ويشاهدها نهارا ويدون احداثها ووقائعها ليلا ولا يترك صغيرة ولا كبيرة الا احصاها وعلق عليها واطنب في وصفها باسلوبه الرائق محاولا ان يضفى عليه حلة ادبية تبعده عن غبار المعارك ورائحة البارود وبرك الدماء ..
ونراه في خلال يومياته الاولى يتشوق لرؤية الجيش المغربي والوقوف منه على كثب ليتسنى له ان يصفه ويعطي عنه الصورة التي يتخيلها و يقرأها في القصص والروايات ..تلك الصورة المرتسمة في ذهنه عن المغاربة وعن شجاعتهم وطريقة تعبئتهم واندفاعهم الى حومة الوغى في صفوف متراصة مشاة وركبانا وقد طال انتظاره لرؤية الجيش المغربي على تلك الكيفية المتخيلة لان الفرق المغربية التي كانت تقاتل في الفترة الأولى يتكون معظمها من القبائل الجبلية للمنطقة وقتالهم يعتمد على الكمائن والعصابات يفاجئون العدو وياخذونه على غرة ولا يدري من اين ياتون ولا متى ينسحبون ..قد يكون ليلا او نهارا .. يمينا او شمالا.. من خلف او من امام .. وحتى اذا ظهروا وبدأت المعركة فسرعان ما تنتهي باختفائهم .. وهذا النوع من القتال يتعب الجيوش النظامية التي تقاتل بالصف لا بالكر والفر..فقديما قيل: قتال الاعاجم بالصف وقتال العرب بالكر والفر..
وذات صباح باكر وجد الاركون بغيته اذ لمح على قنن الجبال المواجهة للمواقع الاسباتنية صفوفا من الخيالة انسد بهم الافق وسالت بهم المنحدرات وتطايرت الأتربة والأحجار تحت سنابك خيولهم يتواثبون على الصخور كأنهم جراد منتشر..فاوقعوا الرعب في نفوس الاسبان واثاروا حمية الاركون ووجد فيهم مادة دسمة لقلمه فكتب يقول : لحظة ابتهاج ..هناك فوق الجبل نرى اشكالا غريبة راجلة وراكبة .كانهم نسور طائرة . عليهم جلابيب واكسية بيض تتطاير من جنباتهم كأنها اجنحة تدفع بهم الى الامام واسلحتهم تلمع كالبرق في واضحة النهار والخيل تندفع بهم كانها في حلبة سباق .. وتتمايل في خيلاء كانها تتفسخ على رمال الصحراء.. يشكلون استعراضا كلاسيكيا وتكتيكيا عسكريا فريدا ..ويتقدمها فارس لا كالفرسان لا أدرى هل هو جني ام إنسان، فاقهم جمالا وكمالا وامتاز بينهم بخفته وحماسه وزاد باناقته ورونق شبابه قيل انه شريف وزاني من زعماء المغاربة وقادتهم الشجعان الأبطال ... وأخيرا تساءل الكاتب : من هؤلاء ومن اين أتوا..؟
ونحن تيقنا ان اولئك جيش من قبائل الغرب ما بين الرباط ومكناس يقودهم الشريف الوزاني (الحاج العربي) وهو من اهل الرباط ومن عائلة الشرفاء الوازنيين المشهورين بالغيرة والحمية.. وقد ابلى ذلك اليوم هو وفريقه بلاء نال به رضا الله ورسوله والمومنين واحرز به على الشهادة في سبيل الله اذ انه سقط شهيدا في معركة الفنيدق بعد ان صرع الرصاص تحته عدة خيول .. وكم له من مثيل في تلك الايام العصيبة امثال القائد ابن عودة والقائد ابو ريالة وقد اشاد صاحبنا الاركون بهؤلاء كما اشاد بشباب مغربي وجده بين القتلى مضرجا بدمائه وهو ما زال في مقتبل عمره فوقف يرثيه ويقول: اني لا ارى فيك عدوا مقتولا بل ارى فيك إنسانا شريفا آثر ان يضحى بشبابه في سبيل امته ويترك اباه وامه يندبان عليه ويتركني انا اسف على موتك قبل الاوان وعلى تركك زهرة الحياة وانت ما زلت غض الاهاب...
وفي مناسبة اخرى كتب يشيد بشجاعة المغاربة وطريقتهم في القتال: ان سر فوات المغاربة اننا نجهل عنهم كل شيء، لا نعرف عددهم ولا متى ياتون ولا من اين يجيئون وان الارض هي التي تنشئهم وحضورنا هو الذي يوقظهم من جحورهم لا يعرفون الا عندما يظهرون. سيان كانوا مليونا او دورية من مائة رجل ، فاذا اندحروا بالامس فمعناه انهم سياتون غدا.والهزائم المتتابعة لا تثبطهم ولا الخسائر تنقص من عددهم ، عددهم يزداد بكيفية مدهشة كل حجرة وكل شجرة ترمي باحد من تلك الكائنات العجيبة .تمتلئ بهم الغايات وتسيل بهم الوديان ويبرزون من الجبال كنتف الصوف ومن التلال والوهاد كأمواج السحاب والضباب.
وبعد.. فاننا نصرف النظر عما أطال فيه صاحب المذكرات من تتبع الوقائع الحربية.. الى ما قصدنا لاجله في هذه الترجمة من ذكر حال تطوان في تلك الفترة العصيبة مسترشدين بما خطه قلم الاركون في مذكراته وهو شاهد عيان ورائد لا يكذب اهله ولسان صدق عند قومه وعند الاخرين.
على اننا لا نذكر الا القليل من الشيء الكثير ولا ناتي مما افضى الا بالنزر اليسير..اذ المقام محرز والكتاب فيه ما يقال وما لا يقال. او على الاصح فيه ما يهمنا وفيه ما لا يهمنا. وقد اشرنا انفا الى الاشياء الكثيرة التي أغفلناها عن قصد في العرض وان كنا لم نغفلها في نقلنا للكتاب من الاسبانية الى العربية والله من وراء القصد.. وفي عدد قادم نتابع العرض ان شاء الله..

يتبع

الزاهوية
عضو نشيط
عضو نشيط

الجنس : انثى عدد المساهمات : 62
درجة التقدير : 0
تاريخ الميلاد : 14/12/1976
تاريخ التسجيل : 16/09/2012
العمر : 41

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا

مُساهمة من طرف الزاهوية في الخميس ديسمبر 06, 2012 10:02 pm

تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا" -2-

دعوة الحق


205 العدد

عن دخوله لتطوان ( فى فيراير 1860) :
نوالي عرض ما قصدنا لاجله فى هذه الترجمة من ذكر بعض احوال تطوان المدنية والاجتماعية مما استخلصناه من يوميات الكاتب الاسباني دي الاركون المتطوع فى فرقة الخدمات المدنية التابعة للجيش الثالث الذي أتى من اسبانيا على عجل مددا للجيشين الاول والثاني فى الحملة الحربية العظيمة القاصدة احتلال تطوان (1860) انطلاقا من مدينة سبتة المجاورة التي لا تفصلها عن تطوان الا نحو اربعين كيلومترا ومع ذلك استغرق القتال بينهما اكثر من ثلاثة اشهر وقد شاهد صاحبنا الاركون منها قرابة شهرين ابتداء من 11 دجنبر 1859 تاريخ خروجه من مالقة الى 6 فبراير 1860 حين دخوله تطوان مع القائد العام اودونيل .. تلك الفترة القاسية الهائلة التي قاسى فيها الكاتب الامرين ، مرارة الحرب الفظيعة ومرارة فصل الشتاء القارس والامطار المتوالية وتراكم الاوحال والزوابع وانتشار الاوبئة والامراض .. وغير ذلك من الاهوال والمتاعب التي جعلت كاتبنا يستبشر ويطير فرحا لما وجد نفسه على ابواب تطوان حيث كتب ما يلي : " اخيرا وصلنا .. اخيرا استطيع ان اؤرخ هذه الرسائل ( لانه كتب يومياته فى صورة رسائل صحافية ) من تطوان بعد ما ارختها بعدة نقاط فى الطريق من سبتة ، من السراى، من الفنيدق ، من واد اسمير ، من كابو نيكرو ، من الواد الحلو .. كل هذه الاسماء الملطخة بالدماء التي عنونت بها عدة مرات مذكرتي تبدو لي الآن فى مخيلتي كانها اضغاث احلام .. وكذلك معسكراتنا ومخيماتنا فانها اختفت وتعيش الآن فى طيات التاريخ الذاهب .. كم من ليال مرت تحت خباء تعصف به الرياح او على ضوء نار خافت او على قمم جبال موحشة وفى غابات وسهول وضفاف انهار وفى خنادق واغوار .. وتحت وطاة ذلك الشتاء الطويل الذي عشنا فيه كاننا وحوش مفترسة فى الادغال .. وفى غمار تلك المعارك الضارية التي تضورنا فيها جوعا وكابدنا الاتعاب والحرمان والاهمال .. وصارعنا خلالها الامراض والموت الزؤام .. كل ذلك قد انتهى الآن .. انتهى ابتعادي عن المجتمع وعن العالم كله .. تلك الوحدة الموحشة التي طويت فيها ليلة الميلاد وليلة السنة الجديدة ويوم الملوك الثلاثة .. ايام وليال قضيتها بالم مزدوج وبحسرة وانقباض .. كل ذلك مضى وذهب مع الايام .. الآن انا فى سبيلي الى سقف يظلني والى بيت يؤويني والى مدينة تحتويني .. كل آمالي تحققت .. وانا واحد من المحظوظين الذين يدخلون تطوان ..
ثم اخذ يروي اخبار تطوان الواصلة اليهم ممعنا فى ذكر الحالة السيئة التي كانت عليها المدينة فى الليلة السابقة لدخولهم اياها .. ثم ذكر كيف نظم القائد العام اودونيل موكبه قبل الدخول وكيف رتب
كل شيء المسير اليها .. حيث عين على كل فرقة من جيوشه جنرالا من جنرالاته دخل على راس فرقته فى الجهة المعينة له .. وسار هو بوصفه القائد العام على راس طابور يتقدم موكبه ومعه اركان حربه قاصدا الباب المعروف بباب المقابر حسب الخطة التي كان قد رسمها وكانت محل اتفاق بينه وبين الوفد الممثل لسكان تطوان وعلى راسهم احمد ابعير .. قال الكاتب : وانا منذ البداية اتخذت قرارا ان لا افارق الجنرال اودونييل فى هذه الساعة المشهودة لاتمكن من مشاهدة سائر المراسيم واسجل جميع المشاهد والوقائع الكبرى التي تصحب هذا الحدث العظيم .

الدخول :
كانت الساعة التاسعة صباحا يوم 6 فبراير 1860 حين تحرك موكب القائد العام نحو باب المقابر منطلقا من المعسكر العام الذي يقع اسفل المدينة على طريق مارتيل .. فاغتنم الاركون الفرصة فصار يصف ما يمر عليه فى طريقة من معالم المدينة وضواحيها ومزارعها وبقايا العمارة ومخلفات الحرب ومنازل مهدمة وسواقى وقناطر وخنادق .. واشياء اخرى كثيرة جعلته يتذكر بروح شعرية حالة طفولته وكيف كان يلعب ويجري فى مدينته الموريسكية واد آش .. فى بيئة اشبه بما رآه هنا خارج تطوان .. ولم يصرفه عن تأملاته وتخيلاته الا وصول موكب اودونيل الى باب المقابر ..وكان فى حسابه ان يجده مفتوحا وفيه من ينتظره .. ولما وجده مغلقا ولا من ينتظره اصدر اوامره بفتح الباب واجابه الحراس من الداخل بان ليست عندهم المفاتيح فامرهم بكسر الاقفال .. وفعلا كسرت الاقفال وفتح الباب .. فدخل القائد العام بمفرده على فرسه آمرا من معه ان لا يدخل معه احد خوفا من مكيدة تدبر لهم .. ولما اطمأن على سلامة المكان عاد اليهم واذن لهم فى الدخول .. وفى نفس الوقت كان قواده الآخرون قد دخلوا المدينة من الابواب المعينة لهم ، ولم يلقوا مقاومة تذكر .. وكانت فرقة تقدمت الى اعالي القصبة المطلة على المدينة ورفعت العلم الاسباني على صاريها وحيته بطلقات مدفعية اهتزت لها المدينة وزرعت الهلع فى النفوس .. وعلى الاثر سارت الفرق العسكرية تحتل احياء المدينة وابراحها وساحاتها واجواقها الموسيقية تصدح باهزيجها واناشيدها وهتافاتها .. الا انها لم تجد تجاوبا الا من نزر قليل من السكان المتمثل بل المنحصر فى الاقلية اليهودية ومن على شاكلتهم .. كما يتجلى ذلك واضحا من يوميات الكتاب ..

استطلاع :
اما القائد العام فانه قبل ان ينزل الى المدينة رأى ان يصعد مترجلا هو ومن معه الى اعالي القصبة حيث يرفرف العلم الاسباني ويلقي من هناك نظرة عامة فاحصة على المدينة وابراجها واحيائها واحوازها ليعلم كيف يرسم خططه ويتصرف ..
ومما كتبه الاركون عن هذا الاستطلاع الاول انهم فى طريقهم اليه اجتازوا على مقابر المسلمين الاولين وظنوها فى اول الامر بقايا منازل قديمة ( نظرا الى الطريقة العتيقة التي كان الاندلسيون يبنون بها القبور حيث كانوا يجعلونها على هيئة حوش مغطى بقباب واقواس كما يدل عليه المتبقى منها الى الآن ) .. ووصف الاركون بانه لم ير ابهى منها وبان اقواسها وزخارفها لا يوجد لها مثيل فى اروبا وانها كلها بالآجر والجبر وباتقان وبياض باهر وتنبت فيها اشجار اللبلاب والخروب وازهار الياسمين والرياحين .. ولكن لا اسماء عليها ولا تواريخ ولا كتابه .. قائلا : ان الموت هنا بليغ وان كان اصم ابكم .. كالذي يوجد فى تصورات الانسان .. واضاف : اننا صعدنا من هذا المكان المقدس بدون مبالاة .. نقفز من قبر الى قبر باقدامنا واحذيتنا وتصطدم اسلحتنا برخام المقابر .. ولا شك من وطأة اقدامنا واسلحتنا .. اولئك النبلاء العرب الذين ولدوا بغرناطة وجاءوا ليموتوا فى هذه الارض .. اولئك الذين لم يجل بخاطرهم انه سياتي يوم تلحق فيه هذه المحنة ابناء النبي .. آه .. لو استيقظوا ورفعوا الرؤوس ورأونا بالصليب على الصدور والسيوف على الحزام .. ثم استرسل يقول : وبينما افكر على هذه الصورة اذا بنظراتي تتبع سربا من حمامات بيضاء وهي تطير فوق المدينة وتروعها جلبة وضوضاء جنودنا فى الازقة .. ولا تدري اين تتجه .. وفى النهاية التجات الى الملاذ الذي يلجا اليه كل خائف .. احتمت بمسجد المدينة بصومعة الجامع الكيبر ..
من هناك ايضا ذكر انه لمح على سطوح المدينة – وهي شبه خالية – اشخاصا لا يدري اهم رجال ام نساء لانهم جميعا يلبسون لباسا متشابها .. ( هو بجهل ان الرجال لا يصعدون عادة الى سطوح المنازل فى عرف المدينة اذ هي خاصة بالنساء ) .. كما ذكر انه من هناك ارسل نظرة الى الحدائق والجنات والبساتين المنبثة والمحيطة بالمدينة .. فرأى ان تطوان مثل زمردة خضراء او مثل فص ابيض فى خاتم اخضر بين اصبعين ( جبلين ) ملتفعين بكوة خضراء .. وان كل شيء رائع وباسم فى هذه الربوع الا سكانها التعساء .. الذين يهرعون منها ويهربون فى افواج .. يا له من مشهد .. ! ذلك المشهد المؤلم الذي يبدو لي من بعيد لاولئك الفارين العائدين من جديد الى بداوتهم الاولى .. النساء يحملن اطفالهن والشباب يأخدون بيد المشايخ والجرحى والعجزة محمولون علىالدواب .. والخيل التي كانت تقاتل صارت تحمل الاثقال .. والنبلاء والاثرياء يسيرون راجلين مع الاشقياء والضعفاء .. يذكرني هذا بهجرة الموريسكوس عندما طردوا من اسبانيا .. ان المغاربة يفضلون كل انواع الحرمان والبؤس والشقاء ولا يرضون بذل الاعتراف بهزائمهم .. هذا شيء بطولي وقديم فى الشعوب الباسلة ..

تنظيمات :
ثم تعرض الاوكون لبعض الاعمال التنظيمية التي بادر القائد العام اودونييل بالقيام بها التي منها التحاقه بدار المخزن الكائنة فى ساحة الفدان ( السوق ) وكيف نجا من انفجار مدبر وقع بها وكيف استعرض جيوشه فى الساحة وكيف رتب شؤون المدينة بان عين الجنرال ريوس حاكما عاما للمدينة وعين بجانبه حاكما مغربيا ( وهو الحاج احمد ابعير ) وكلفهما باحصاء المنازل العامرة منها والفارغة وانزال الضباط الكبار بها واختيار اللائق منها للمصالح والمرافق العامة .. الى غير ذلك من الاجراءات المدنية الضرورية .. مشيرا الى ان القائد العام اودونييل فضل ان يبقى مقيما بمعسكره العام خارج المدينة وكذلك بعض جنرالاته وان كان جعل تحت تصرفهم دورا لائقة بهم فى المدينة .. واما الاركون نفسه فانه ذكر انه كان يقيم اولا فى بيت الاسرائيلي ابراهام من اعيان اليهود واثريائهم ثم انه انتقل الى دار آل اشعاش الكائنة بالفدان واستقر بها طول مقاومه بتطوان مع احتفاظه بخيمته الخاصة به فى المعسكر العام وفى نفس الوقت كان يتردد على بيوت كثيرة يطيب له ان يسهر فيها ويلهو مع اصحابها الضباط كدار الفقيه الشربي التي اشار الى بعض مغامراته فيها ( وسياتي بيانها ) .

جولات :
وهو فى ذلك كله لا يترك فرصة تتاح له الا وانتهزها ليبحث وينقب ويتجول ويسجل كل ما سنح له ويصف كل ما عن له من الاشياء كبيرها وصغيرها جليلها وحقيرها ولا سيما ما يمت منها باي صلة الى الشؤون المغربية متخذا معه دليلا من ابناء المدينة يدله على خفاياها ويرشده الى خباياها ويعرفه بعادات اهلها واحوالهم الحاضرة والغابرة .. الا انه كان يمقت هذا الدليل ويهزأ به ويشتمه فى وجهه واحيانا يطرده .. ومع ذلك ظل يلازمه ويمعن فى طاعته وخدمته كلما تعمد صاحبنا فى اهانته واذلاله .. لان ذلك الدليل من الجنس الذليل الذي لايحس بمهانة ولا يبالي بزراية .. وهذه النعوت تغني عن التصريح باسمه واصله ..

عزة النفس عند المغربة :
وكان من استنتاجات الاركون من خلال جولاته واستطلاعاته ان المغاربة وبالاحرى سكان تطوان من عنصر كريم ومحتد اصيل وفى مظهرهم ومخبرهم تبدو امارات النبل وتبرز دلائل العزة الانفة لا يرضون بالضيم والصغار ولا يحنون الراس لاي كان مهما توالت عليهم النكبات وتعاقبت المصائب والهزائم .. فهم لا يعترفون لنا – يقول الاركون – بهزيمتهم امامنا ولا بانتصارنا عليهم .. استنتج الاركون من المعارك التي شاهدها ومن موقف المغاربة التطوانيين وعدم اكتراثهم بالجيوش الاسبانية وهي تحتل مدينتهم .. فقد آثروا ان يجلوا عنها ويتركوها بلقعا على ان يشاهدوهم فى ازقتها ويبادلوهم التحية والمنافع .. وحتى الضعاف والعجزة منهم الذين لم يستطيعوا مغادرة البلدة فانهم لاذوا ببيوتهم ولازموها ليلا ونهارا صابرين على الجوع والخصاصة كاتمين آلامهم ومتجرعين همومهم الى ان ياتي الله بالفرج .. ومن اضطرته الظروف لمغادرة بيته الى الشارع فانه لا يلتفت الينا – يقول الكاتب -- ولا
يعيرنا ادنى اهتمام كاننا لسنا بموجودين .. وقد قص الكاتب كثيرا من الشواهد والوقائع شاهدها بنفسه تدل على صدق ما يقول .. من ذلك انه لاحظ عند دخول الجيوش الاسبانية الى تطوان خلو الطرقات والسطوح والنوافذ وسائر الممرات من العنصر المغربي .. لا وجود لهم اطلاقا ولا للفضوليين منهم .. ولا ساحة الاستعراض التي تجلب اليها عادة غمار الناس فلم يشاهد الاستعراض الا بعض اليهود القريبين منها .. وقال الاركون انه كثيرا ما كان يتجول فى الازقة وهي خالية تماما فيقول له دليله : انهم مختبئون فى بيوتهم .. قال : فنتسمع من اخصاص الابواب فنحس ان بداخلها حركة ودويا كدوي النحل .. وان بها جرحى ومرضى يكتمونهم عن السلطات الامر الذي جعلني – يقول الاركون – اكن اعمق الاحترام لاولئك الذين يكتمون آلامهم ويصبرون على بلواهم .. كما لاحظ ان بعض الصبيان يغفل اهله ليطل من الباب ولكن سرعان ما تمتد يد من الداخل فتجذبه وتصفق الباب .. كما لاحظ فى احدى جولاته انه مر فى زقاق ووجد فيه شيوخا يجلس كل واحد منهم بباب بيته منعزلا عن جاره الآخر لا يلتفت اليه ولا يبادله الحديث مع قربهم من البعض .. قائلا وذلك من فرط تحفظهم وابتعادهم عن الفضول خوفا من ان يصدر من احدهم شيء يتم عن اعترافهم بالوجود الاسباني فى مدينتهم .. واضاف ان هؤلاء المغاربة الذين كانوا اغلقوا عليهم ابواب بيوتهم ولبثوا قابعين فيها ربما اضطرهم طول المكث الى الخروج ولو لبضع ثوان وعدة خطوات قصد استنشاق الهواء النقي ..
كما قص علينا الكاتب قصة ذلك الشيخ الذي مر عليه موكب القائد العام فى طريقه الى وسط المدينة يوم دخوله تطوان .. فرأى الاركون من ذلك الشيخ صورة من صور الإباء الممزوج بالترفع وعدم الاكتراث .. كان شيخا طاعنا فى السن ذا لحية طويلة بيضاء كالثلج وعمامة كثيفة وحائك من الصوف كان جالسا امام دكان صغير لا شك انه له وكان باب الدكان ورفوفه الخشبية ركاما على الارض .. ويداه على فخذيه وعيناه مركزتان على الارض كانه غارق فى بحر التأملات .. مر الموكب حواليه فى صخب ولجب دون ان يرفع رأسه لينظر ما حوله ولا انه تململ من مكانه ليتقي على الاقل سنابك الخيل ويتحاشى ان يصيبه مكروه .. قال : فاعظمنا فى الشيخ هذا الاباء واكبرناه فى نفوسنا .. واشرنا اليه بالتحية بايدينا وما تحرك ولا بالى بنا ..
وقد تكرر مثل هذا الموقف .. مما جعل الكاتب فى مشاهد مماثلة يدون فى مذكرته ان المغاربة عند ما تمر مواكبنا لا يعيرونها التفاتا ولا يرفعون اليها رأسا ولو على سبيل الصدفة .. انهم يعتقدون ان النظر الينا والى مواكبنا معناه الاعتراف بنا ولو ضمنيا .. يصدق عليهم مثلهم العربي : اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب .. اني لم ار نبلا اقدر على تحمل المصائب مثلهم .. جائعون ولا يطلبون الخبز ، يتالمون ولا يبكون ، يموتون ولا يتساهلون معنا ، قراراتهم لا يفصحون عنها ولو بالتبجح بالوطنية ، يكتفون باقتناعهم بانهم لن يكونوا عبيدا لنا ابدا .. الحقيقة انني لا ادرك مستوى حضاريا اكثر من هذا ، فاذا كانت الحضارة تعني تمجيد النفس الانسانية وجعلها تنتصر على المادة وعلى الشهوات فانا اعتقد ان ثبات المغاربة وصمودهم وعزة النفس التي يحتفظون بها فى الهزيمة – هذا الشموخ المستمد من دينهم -- لمما يظهر لنا ويعطينا الدليل على انهم عنصر قوي يمارس قدراته بحكمة سقراط .. وان لا سبيل الى غزوهم وقهرهم ولو بالقوة ولا بالحضارة الكاثوليكية .. انهم يشبهون الانجليز فى جل الصفات ..

حضارة تطوان :
هكذا كان الاركون فى تجولاته بحارات تطوان يسبر الاغوار ويستشف ما خلف الاسوار وما وراءها من الاسرار .. ليس كالسائح الذي يقف عند المظاهر ويكتفي بالقشور بل انه يتعداها الى الكشف عن حقائق الامور والى رد الفروع الى اصولها والمعلومات الى عللها وحكمتها .. شأن العالم المنقب والصحافي الماهر المستطلع ، لذلك كان يلهج بالحالة التي وجد عليها المدينة ويبهج بحالة اهلها المحافظين وتمسكهم بعاداتهم وحضارتهم العتيقة .. وآثارهم القديمة .. ومما كتبه فى هذا الصدد : انني وجدت تطوان لا احلى منها ولا ابهى ، فلو كانت كما يريدها اصحابي الجنود من توفرها على مظاهر الحضارة الاروبية من اوطيلات ومقاهي ومسارح ومقاصف ونوادي وملاعب ... الخ لو كانت كذلك لرأيتها انا عديمة الجدوى لا تعدو ان تكون كحي من احياء المدن
الاوربية ، اذن لا داعي للمجيىء اليها .. فانا انظر اليها بعين الفنان الذي لا ينظر الى القشور والظواهر بل يغوص الى اعماق الاشياء ، يستشف وراء المحسوس والملموس .. اني وجدت تطوان كما كنت اتمنى ، عربية صرفة لا مثيل لها عندي فى المدن الاوربية ، هي فى نظري عش المغاربة الخلص وبقية مما تركه اجدادهم فى البيازين بغرناطة الفيحاء .. واضاف ان المغربي يعزف عن الملاهي ويميل الى الانعزال ويكره التظاهر بالاشياء الفارغة ، فلا يقيم وزنا لمظهر بيته الخارجي ولا للمغريات والمباهج الزائفة .. واستنتج من ذلك ان المغاربة يجعلون المدينة مقبولة من الخارج والبيوت مزينة فى الداخل .. ثم استطرد يقول : وهناك استئناء وهو ذلك الفندق الكائن بفسحة الوسعة المقام ازاءه مقهى عمومي احدثه الجزائريون اللاجئون الى تطوان ويرتاده الشباب والشيوخ على السواء حيث يتناولون كؤوس الشاي والقهوة ويتبادلون الاحاديث .. وذكر انه كان يشاركهم فى هذا المقهى وانه معجب بطعم القهوة التي يغلونها على النار فى غلايات خاصة .
ووصف المدينة بانها كبيرة نوعا ما ومزدحمة وان سكانها يقدرون ب 50 الف نسمة وان بها اسواقا حسنة وساحات واسعة وقيسارية تحتوي على اكثر من 300 دكان الا انها مخربة الآن ومنهوبة وهناك سقايات عمومية وافران وحمامات وفنادق للتجار وللدواب ...

بيوت تطوان :
ووصف بيوت تطوان بانها تذكر ببيوت الاندلس القديمة من حيث التخطيط والمرافق .. وان ترف البيت يتجلى فى الابواب والنوافذ الداخلية وفى السقف المخدوم بنقش رائع على الخشب الملون .. وكذلك فى الموزيك الذي يكسو الارض والحيطان .. وفيما يخص الاثاث ذكر ان آماله لم تخب عند زيارته لبعض البيوت .. ( فالاثاث الذي رأيته والزرابي والستائر والخزانات وادوات الاكل وكل ما شاهدته ودرسته كان اصيلا وفنيا رائعا ، له مميزات شرقية جد بارزة مليء بالكتابات والصور الرمزية والخطوط الهندسية .. ويطابق تماما الامتعة الموريسكية الموجودة فى اسبانيا .. كل شيء لم يتغير ، الفن والصناعات والعوائد .. تطوان اليوم معناها رؤية قرطبة القرن الثالث عشر ) .

دار الرزيني :
وكان قصر الحاج محمد الرزيني الشهير من اكبر البيوتات التي تعلق بها الاركون واستصدر اذنا خاصا من الجنرال الحاكم يسمح له بزيارته ، اذ كانت عليه حراسة عسكرية خوفا من امتداد يد النهب اليه بعد ان غادره صاحبه فى جملة من غادروا تطوان والتجأ الى بستان له يقع غير بعيد من تطوان فى الاجنة المعروفة هناك بمدشر كيتان .. ووصفه الاركون بانه غني جدا وان اخاه ( يقصد الحاج احمد الرزيني ) اغنى منه .. يقولون عنه انه يزن الذهب بالقفاف وانه عندما فر من تطوان البارحة ( كذا ) حمل امواله على تسعة بغال وعلى ثلاثة جمال وثمانية عبيد .. وان القصر نفسه يكشف عن هذا الثراء الفاحش ، وبما انه قصر فاخر فان صاحبه تركه كما هو لما شرع فى بناء قصر آخر بجانبه يريده افخم منه واعظم .. فجاءت الحرب وتوقف البناء .. فالاقواس قائمة والاخشاب مجموعة واكوام الموزيك باحجامها والوانها وتصاميم الرياض الواسعة .. كل هذا ينبىء عما سيكون عليه القصر لو تم ..واما ما يتعلق بالدار القديمة فانها وحدها كافية لتعطينا فكرة عن حياة ذلك الاستقراطي الذي كان يسكنها .. الغرف واسعة والسقوف عالية جدا وهي من الخشب الملون المصنوع بدقة متناهية .. والحيطان كلها مكسوة بالفسيفساء الجميلة وكذلك الحنايا والاقواس المكونة للممرات ، فهي تخطف الابصار وتعجب برقتها وفخامتها ..
ثم تابع يقول : واول شيء يرغب فيه المرء عندما يدخل الى هذه الدار هو الجلوس والاتكاء عدة ساعات .. فهناك الهدوء والراحة وشيء آخر لا اجد له اسما .. هناك ظل الاشجار وخرير المياه وازهار البرتقال التي تعطر الجو والطيور التي تغرد وتزقزق بين الاقواس والاشجار.. واسترسل يقول : لا املك وانا ما زلت فى الصحن الاول من هذه الدار الا ان افكر فى النساء .. ولم لا .. ! وهذه التحفة الفنية بنيت للحب .. والجو ما زالت عبقا بطيب الحريم .. فصرت اتحسس
واتسمع الى ان سمعت من وراء ستار غناء امراة وبكاء طفل .. ولكن التعليمات تقضي بان لا انتهك الحرم واقتحم الحجب .. والحارس وهو مغربي مسن واقف لي بالمرصاد .. ومن ورائه عسكري مسلح واقف بالباب لا ياذن الا لمن بيده ورقة ممهورة من الحاكم وعليها تعليمات صارمة .. الا انني بحيلة استطعت ان اغافل الحارس المغربي واتسلل الى غرفة انيقة وفيها فتاة سوداء تهز بيدها مهدا يرقد فيه صبي .. تاملتها فاذا هي فاتنة كانها قطعة من الكهرمان الاسود .. ابتسمت وافترت عن ثغر نضيد من اللؤلؤ دون ان تبدي انزعاجا او نفورا .. وتاملت غرفتها فاذا كل ما بها آية من الآيات .. سرير ملوكي مغطى باقمشة حمراء فاخرة وستائر من الحرير ومتكآت عديدة ومخدات كثيرة وفى الوسط مبخرة ذهبية على صينية ومعها كؤوس بلورية وابريق لماع .. الى غير ذلك من الاواني والتحف النادرة .. ولم يسعني الا ان انسحب من الغرفة قبل ان ينكشف امري .. ثم اكتشفت ان هناك جناحا آخر فيه بقية نساء الرزيني اللائي لم يصحبهن معه .. وتابعت تطوافي على سائر الغرف والمرافق فاذا هي تحتوي على اثاث ثمين من مختلف الانواع .. وكذلك المخازن فانها ممتلئة باصناف الماكولات والمشروبات . ( واطال القول فى ذلك كله اذ تتبع كل ما احتوت عليه الدار من النفائس والذخائر الدالة على ثراء الرزيني الرجل الدبلوماسي الذي كان فيما سبق قنصلا معتمدا للمغرب فى جبل طارق وكانت جل الصادرات والواردات تمر على يده ...).

الجامع الكبير :
وكان الجامع الكبير من معالم المدينة التي حرص صاحبنا على زيارتها .. فبادر هو ورفيق له الى زيارة الجامع قبل ان يمنع الحاكم زيارته على غير المسلمين كما هو المتبع عند المسلمين المغاربة من منع دخول غيرهم بيوت العبادة ( والمعروف ان اودونييل كان تعهد للوفد الممثل لسكان تطوان باحترام امكنة العبادة ولكنه لم يوف بهذا التعهد .. ) قال الاركون وجدنا حرسا عسكريا على باب الجامع الكبير وهو باب مهيب عليه نقوش وزخرفة باهتة .. دخلنا وطفنا جنبات المسجد فاذا هو خال الا من الحصر وبعض المنابر المهيأة للوعظ اشبه ما يكون بالكنائس البروتيستانية الخالية من التماتيل والتهاويل .. فجلسنا جانبا فى الصحن الواسع انا ورفيقي .. يرسم هو بريشته ما يراه واكتب انا بقلمي ما يبدو لي من افكار حين لم اجد شيئا يستحق الوصف ، وقلت ها هي اقدامنا واحذيتنا وطئت ارض هذا المسجد وسقفه يردد صدى وقع اقدامنا المنتعلة بنعال النصارى الثقيلة الوطأة .. اين ذلك النبي .. لماذا لا يهدم على رؤوسنا هذا البيت الذي دنسناه باحذيتنا وانتهكنا حرمته باقتحامه ..
وسجل فى الاخير ان المؤذن حضر ونظر اليهم بامعان وقصد المزولة وقاس ظلها بعينه واشار اليهما بان الساعة هي الثانية فصعد الى الصومعة واذن للصلاة : الله اكبر .. الله اكبر ..قال : فبادرنا بالخروج وتركنا المكان لقداسته وللمؤمنين الذين اخذوا يتواردون لاداء الصلاة .. وكنا نسلم عليهم : سلام ، فيردون علينا بمثله ..
والبقية تأتي بحول الله .
يتبع

الزاهوية
عضو نشيط
عضو نشيط

الجنس : انثى عدد المساهمات : 62
درجة التقدير : 0
تاريخ الميلاد : 14/12/1976
تاريخ التسجيل : 16/09/2012
العمر : 41

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا

مُساهمة من طرف غريبي في الأحد ديسمبر 09, 2012 3:19 pm

جازاك الله خيرا على نقل هدا العمل المفيد ، ننتظر التتمة مع الشكر الجزيل.

غريبي
عضو أساسي بالمنتدى
عضو أساسي بالمنتدى

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 298
درجة التقدير : 1
تاريخ الميلاد : 02/05/1963
تاريخ التسجيل : 05/06/2012
العمر : 55

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا

مُساهمة من طرف الزاهوية في الأحد ديسمبر 09, 2012 7:31 pm

شكرا سيدي

الزاهوية
عضو نشيط
عضو نشيط

الجنس : انثى عدد المساهمات : 62
درجة التقدير : 0
تاريخ الميلاد : 14/12/1976
تاريخ التسجيل : 16/09/2012
العمر : 41

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا

مُساهمة من طرف الزاهوية في الأحد ديسمبر 09, 2012 7:33 pm

تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا" -3-
دعوة الحق
207 العدد
نأتي على بقية ما قصدنا لأجله في هذا البحث المستخلص من ذكريات الإسباني ذي الاركون المتطوع بالجيش الإسباني كصحافي يدون الوقائع و الأحداث التي شاهدها خلال الحرب الإسبانية المغربية من أواخر 1859 إلى 1860 م معرضين عما أطال فيه من وصف المعارك و الأهوال التي قاساها الجيش الإسباني في سبيل استيلائه على تطوان مقتصرين فقط على ما أحدثته حالة تطوان المادية والأدبية في نفسه من أحاسيس و مشاعر وما خص به أهلها الأصلاء و سائر المغاربة من تقدير واعتبار. مع العلم بأن يومياته هذه هي التي رفعت مقامه بين الكتاب الرمانسيين الإسبان بفضل براعته في الوصف وأسلوبه الرشيق الرائع، ونحن نقتطف منه فقرات متفرقة نجمعها في نسق واحد تحت عنوان جانبي حسبما سلكناه في الحلقة السابقة، وهذه بقية منها :

العنصر الإسرائيلي :
لقد كتب الأركون عن الطائفة الإسرائيلية المقيمة بتطوان إذ ذاك صفحات عديدة في أماكن مختلفة من كتابه ذاكرا أنه لاحظ من أول يوم أنهم وحدهم كانوا مبتهجين بالجيوش الإسبانية يوم دخلت المدينة حيث وجدوهم عند الأبواب وفي الطرقات وفي الساحات. يلوحون ويحيون القوات عند المرور وعند الاستعراض هاتفين بالاسبانية مرحبا بكم ! مرحبا بكم ! تحيا ملكة اسبانيا ..تحيا ... ! يقولونها بلغة ولهجة ركيكة، قال الأركون : كنت أظن أنها كلمات حفظوها للمناسبة ثم علمت أنها لغتهم المعتادة. من ذلك أن أحدهم هتف بالانجليزية ثم بالفرنسية ظنا أننا انجليز أو فرنسيين .. ولما قيل له إننا اسبان هتف أيضا بالاسبانية. وان نساءهم وأطفالهم يشاركون في هده التظاهرة. النساء يزغردن والأطفال يندسون بين سنابك الخيل وأرجل الجند يرومون مصافحتنا وتقبيل أيدينا. وكانوا في مواقف كثيرة يتباكون ويشتكون من الحالة التي هم عليها مدعين ان أمتعتهم و أموالهم قد سرقت ونهبت مع أنهم – يقول الأركون – هم الذين نهبوا وسرقوا كل ما وصلت إليه أيديهم بدليل أنني رأيت ذات صباح صفوفا منهم يدخلون إلى الملاح أكياس الدقيق وأحمال الثياب واللباس والمتاع وأشياء لا تحصى أخذوها من دكاكين السوق والقيسارية و من بيوت المغاربة الفارين. كل ذلك جعلنا نشمئز منهم ونقارن موقفهم المهين بموقف المغاربة الأباة ذوي الأنفة والشمم والعزة والكرامة. هذا بعض ما كتبه الأركون عن العنصرين فان كان فيه بعض الغلو فعليه عهدته. وزاد يقول إن نساءهم لفتن أنظارنا ببروزهن وزينتهن، فيهن جميلات رائعات وبنات صغيرات بلغن سن النضج قبل الأوان وهن متبرجات ونصف عاريات لا يحتشمن ولا يتحرجن. شان اليهود و اليهوديات في كل مكان. وإجمالا فقد رأيت العنصر اليهودي كما كنت أتخيله وأقرأه عند شكسبير وغيره من الكتاب والشعراء ورغم ذلك فان الكاتب – كالكثير من رفقائه الضباط – نزل ضيفا بالملاح قبل ان ينتقل لدار آل اشعاش الكائنة بساحة الفدان حيث آواه التاجر اليهودي أبراهام في بيته عدة ليال خصه أثناءها بحديث صحافي طويل تناول فيه أخبار المغاربة وأحوال المدينة قبل أن يدخلها الاسبان وكذلك الأسباب الداخلية و الخارجية التي أدت إلى اندلاع هذه الحرب. ويبدو واضحا من خلال هذا الحديث ان ابراهام كان يتعمد إثارة الحزازات القديمة و الحديثة التي بين الاسبان و المغاربة قصد ايغار صدر الأركون وتحريشه ضد المغاربة. كقوله في معرض حديثه عن موقف المغاربة من الدول الأوروبية : إن المغاربة يكرهون الاسبان ولا يكرهون الفرنسيين ويحبون الانجليز ويعتمدون عليهم..وكذلك عندما قال : ان السلطان سيدي محمد حرم عليه أبوه المولى عبد الرحمن ركوب الخيل وحلق شعره إلى أن يمحو عنه العار الذي لحقه بانهزامه في اسلي أمام الفرنسيين بقهر الاسبان في هذه الحرب وإخراجهم من أرضه وأكد ابراهام ذلك بأنه رأى بعينيه وهو بمكناس السلطان سيدي محمد وقد كساه الشعر من أعلى رأسه إلى أسفل صدره وظهره ومنكبيه. فهذا كلام يراد به الدس والكيد وان كان فيه بعض الصدق لذلك لم يلق له الأركون بالا ولا أعاره اهتماما وانه ادخله في حسابه وموازينه عندما تابع تدوين مذكرته وتحديد موقفه من المغاربة وقضيتهم الكبرى كما يتضح فيما سطره من المفاوضات في شان السلام بين الجانبين.
وأيا ما كان فإن الشاعر يقول : (اجن الثمار وخل العود للنار..)والمثل المغربي يقول: (كل من جنان اليهودي والعن مولاه..) أي كل منه واتركه ..وهذا ما فعله الأركون وأصحابه فقد استخدموا يهود تطوان واستعانوا بهم في جل الشؤون اتخذوا منهم خدما ومرشدين وتراجمة.. كما اعتمدوا عليهم في الاستخبارات وكشف الخبايا وفضح العورات.. فهم الذين دلوهم على مكامن السلاح ومخابئ الذخيرة والبارود ..كالسرداب الكبير الكائن تحت القصبة الذي كان مملوءا بالبارود ولا يعلم به إلا يهودي دلهم عليه.. وكان صاحبنا الاركون نفسه اتخذ له خادما يهوديا يسميه خاكوب، كان يلازمه ولا يفارقه إلا يوم السبت، يخدمه في مأواه ويرشده في جولاته ويسوس دوابه.. وظل لاصقا به إلى آخر يوم، مع أنه كان يضنيه ويتعمد اهانته والعبث به..وهو صابر شاكر،وقد سجل في حقه أشياء من هذا القبيل لا فائدة من الإتيان بها إلا أن تكون من قبيل ما يحكيه كتاب ذلك العصر عن الحالة التي كان عليها ذلك العنصر البشري الذي تبدلت حالته الاجتماعية في هذا العصر فصار مضرب الأمثال في النشاط و الدهاء..

الجالية الجزائرية :
ومما تعرض له صاحب المذكرات حالة الجزائريين المقيمين بتطوان الملتجئين اليها – على الرحب والسعة – أواسط القرن الماضي من جراء الاحتلال الفرنسي للجزائر.. فوصفهم بأنهم على حظ وافر من الكياسة والنباهة والمهارة في بعض الصناعات والفنون كصناعة السلاح والمدفعية والسيوف وفنون الطرز والخياطة والطبخ و أثاث المنازل وكالأعمال التجارية وإقامة البنيان والعمران وتأسيس المؤسسات الاجتماعية على الطريقة الحديثة.. ذاكرا أنه زار متاجرهم فوجدها عامرة بمختلف البضائع النفيسة الغالية الثمن بتسعيرة محدودة لا تقبل المساومة، بخلاف اليهود الذين يغالون ويغشون في المساومة.. ملاحظا أن دكاكين الجزائريين تقع داخل بيوتهم(دون ان يبين هل ذلك بصفة دائمة أو لظروف الحرب فحسب) لذلك لم تمتد إليها يد النهب كما امتدت إلى غيرها.. وذكر أن من جملة مؤسسات الجزائريين بالمدينة ذلك الفندق المعروف بساحة الوسعة وأنهم أحدثوا المقهى العربي الكائن بجانب الفندق المعدود أول مقهى بلدي يقصده خاصة القوم لتناول كؤوس الشاي والقهوة على الطريقة التقليدية ولتبادل الأحاديث حول ما استجد من الأحداث.. وقال الأركون انه نفسه كان يتردد مع أصحابه على هذا المقهى الفريد من نوعه ليتذوق طعم القهوة العربية التي أطنب في وصفها منوها بطريقة إعدادها بواسطة غلايات على النار مشيرا إلى أن من خواصها أنها تحدث فتورا واسترخاء لدى الشاربين عكس القهوة الأوربية التي تثير الأعصاب وتطرد النوم من الجفون وهنا أثار الأركون ملاحظة هامة في حق أولئك الجزائريين الطارئين على تطوان وهي أنهم يتهمون بموقفهم السلبي إزاء إخوانهم التطوانيين حيث لم يشاركوهم في تحمل أعباء التضحية والدفاع عن المدينة.. زاعما – أي الأركون – أنهم وقفوا من أهل تطوان موقف الشماتة.. ردا وجزاء وفقا لشماتة التطوانيين بهم لما انهزم الجزائريون أمام الغزو الفرنسي.. والعهدة على الراوي في هذا الزعم وهذه التهمة.. لأن هذه الدعوى يعوزها الدليل – ولا دليل – وأيضا فإن أولئك الجزائريين المهاجرين في تلك الظروف القاسية مازالوا حديثي العهد بديارهم الجديدة.. لم تكتمل بعد ظروف الاستقرار والاستيطان بالقدر الذي يسمح لهم بتحمل الأعباء المخزنية على العموم والمشاركة في الحركات الجهادية بصفة خاصة.. فالذي نعلمه حق العلم أن سلطان البلاد طالما أوصى عامله على تطوان بإعفاء المهاجرين الجزائريين من التكاليف المخزنية ومن سائر الأعباء والخدمات.. نظرا لضعفهم ولما تجشموه من المشاق وتعرضوا له من الأخطار.. إذ كيف يعقل أن يتقاعسوا عن مناصرة إخوانهم ويقفوا منهم موقف الشماتة وهم أنفسهم مازالت جراحهم تدمى وقلوبهم تقطع أسفا وحسرة على ما حل ببلادهم وبأهليهم وذويهم وكيف هان عليهم أن يتحملوا أقسى التضحيات وهم يغادرون بلدهم الأول في سبيل عقيدتهم وكرامتهم.. ولا يهون عليهم أن يتحملوا تضحيات أخرى في بلدهم الثاني دفاعا عن نفس الغايات التي هاجروا من أجلها.. هذا واننا لا نزعم أن أولئك الجزائريين كانوا كلهم على قلب واحد وأنه ليس فيهم من تصدر منه كلمات طائشة أو أعمال مريبة في تلك الأيام الحرجة فيتناولها المغرضون وتتداولها الألسن إلى أن تصل إلى مسامع أمثال صاحبنا الأركون فينقلونها على أنها حقيقة وتعم سائر الجزائريين ..

مأدبة في بيت جزائري :
وفي هذا الصدد قدم لنا الأركون نموذجا لما كانت عليه العائلات الجزائرية المقيمة بتطوان.. فقد ذكر أنه واتته فرصة طالما تمنى أن تتاح له لزيارة عائلة تطوانية تدعوه إلى تناول الطعام مع أفرادها بالطريقة المغربية الصميمة ليرى الطبع المغربي على حقيقته وطريقة العيش في البيوت المغربية. فتحقق له ما أراد يوم 16 فبراير 1860 حين كتب مايلي :
هذا اليوم لن أنساه، كيف أنساه وقد عشت فيه يوما مغربيا صميما قضيته مع المغاربة أكلت على مائدتهم وتحدث معهم أخويا..أنني محظوظ، لقد دعاني عبد القادر الجزائري.. حفيد الأمير عبد القادر الجزائري إلى الغذاء في بيته واستدعى ستة أنفار أحد أصدقائه المغاربة وشخصية فرنسية وأربعة إسبان – وكان الموعد بعد صلاة الظهر في ساحة الفدان، وكانت المناسبة أن مضيفنا أقام مأدبة إكرام للشخصية الفرنسية المشار إليها وهو كوندي حفيد الملك الفرنسي لويس فيليب الأول المعاصر للأمير عبد القادر الجزائري جد المضيف وكانت بين الجدين مودة اقتضت الاحتفال بها.. اجتمعنا في الساحة وسار بنا المضيف إلى بيته.. دخلنا ووجدنا أنفسنا في صحن كبير فاخر يزينه الهدوء وخرير المياه..وصعدنا الدرج إلى الصالة التي أعدت فيها المأدبة.. وقبل الدخول تحررنا من أسلحتنا واعتذرنا لرب البيت عن عدم نزع أحذيتنا كما فعل فهو ابتسم راضيا ومرحبا.. كان المكان مؤثثا بزرابي فاخرة وفي الوسط مائدة مستديرة حولها عدد من المتكآت والوسائد المزركشة بالثوب الدمشقي.. وفي الغرفة حنيتان منقوشتان وسقف منقوش.. وكانت المائدة المهيأة مغطاة بمنديل وفوقها ثلاث جبانيات من الزجاج. اثنتان مملؤتان بالكسكس من نوعين مختلفين والثالثة عامرة بفاكهة التين الشوكي وكذلك إناء مملوء بالماء، وكانت الملاعق ذات قيمة عالية قال عنها المضيف إنها من استنبول.. وهذا كل ما أعده حفيد أمير لحفيد ملك.. تناولنا الكسكس فوجدناه غداء لذيذا. فالنوع الأول دسم مكون من الطحين و السكر و السمن وعناصر أخرى جعلته لذيذا عطر المذاق، والثاني أشد حلاوة وأكثر عطرا وكذلك التين الشوكي لذيذ جدا.. هكذا أطنبنا في الثناء على المضيف وفي مدح طعامه وشكره على إكرامه.. وعندما أخرجنا سجايرنا تقدم إلينا عبد أسود بفتيلة وغليون(نارجلية) وسألنا المضيف هل نرغب فيها فقلنا إننا نفضل سجايرنا وقال صديقه المغربي عرفنا ذلك، ولذلك لم نأمر بإعدادها.. ثم استأذنا وانصرفنا شاكرين.. هذا وقد أطنب الكاتب في وصف المضيف وصديقه بأنهما في عنفوان الشباب تلوح عليهما دلائل النعمة و المعرفة ويتحدثان بالفرنسية و الإيطالية.. وأضاف الأركون أن استغرابي كان كثيرا حيث لم يقدم لنا المضيف القهوة.. لذلك اتجهنا إلى ساحة الوسعة لشرب الشاي.
وغني عن البيان أن الأركون لاحظ أن المأدبة لا تتناسب مع قدر المضيق حفيد الأمير.. ولا مع قدر المقامة على شرفه الأمير حفيد الملك..ونستنتج نحن من ذلك ان ظروف المعيشة لم تكن على ما يرام عند الجالية الجزائرية باعتبار أن رب البيت المضيف يأتي في مقدمتهم وأحرى من دونهم..

الجنس الناعم :
وفيما يخص العنصر النسوي فإن الأركون كان يتضايق من خلو الأماكن العامة والأوساط التي يغشاها من ظهور المرأة المغربية المسلمة. إذا كان يتشوق أن يراها ويكشف عن محاسنها ويتحدث إليها ولو بالإشارة من بعيد، فكان يتلصص ويستفرق السمع والبصر عسى أن يرى مغربية نشبع فضوله وتشفي ما في نفسه من تطلعات.. مثل ما رأيناه يفعله حين زار قصر الرزيني وتسلل إلى خدر إحدى جواريه وكان يقتحم جناحا خاصا بالحريم لولا يقظة الحراس وخوفه أن يضبط وهو في حال تلبس فالقضية عنده هي أنه كلما وجد مكانا ناعما تمنى جنسا ناعما وكلما صنع إطارا جميلا من بليغ بيانه تمنى أن يجد صورة جميلة يضعها داخل إطاره ..لقد وجدناه صبيحة يوم مشمس باسم وهو يتنزه في حديقة القصر الحكومي الكائن بساحة الفدان وحوله أفانين الرياحين والأزهار من كل نوع ولون.. فطبق عليها قطفا وشما وضما إلى أن تجمعت في كفه باقة عبقة فواحة.. فالتفت يمينا وشمالا،، ثم أرسل آهة وقال : ما قيمة هذه الأزهار إن لم أجد فتاة جميلة أقدمها إليها.. وفي الحين رام أن يقدمها لشخص عابر إلا أن أحدهم نبهه إلى أن المغاربة يكتفون بشم الأزهار وهي في أكمامها ولا يبتذلونها بالقطف واللمس والضم.. فقال في نفسه : هل هذا شأنهم مع المرأة.. يكتفون برؤيتها من البعيد ولا يمسونها بسوء.. وجاء من قال له : إن المغاربة يعيشون في جنات الأسرار.. فأجمل بيوتهم يخبأ وراء الأسوار، وأجمل بناتهم دونها أستار وأستار.. وأعمق أفكارهم وأسرارهم تبقى في قلوبهم موطن الأسرار..
وذات يوم يعثر صاحبنا الأركون على ثلاث نساء مسلمات وهن يمشين في الشارع العام.. كتب عنهن يقول : ها أنا استطعت أن أشاهد ثلاث نسوة أو على الأصح ثلاثة أشباح يغطين وجوههن بطرحة (خمار)ملفوفات في ملاءات بيضاء(حياك) واحدة وجدتها واقفة تحت قوس من ثلاثة رجال وفهمت أنها ستغادر تطوان.. وهي طويلة في مظهر أنيق وقد سمح أزارها برؤية قدمين رقيقتين شديدتي البياض في حداء من القطيفة القرمزية وتحت البرقع تبدو عينان سوداوان والتقت نظرتي بنظرها وأنا أمر إزاءها تحت القوس.. وأما الأخريان فقد لمحتهما من بعيد وهما يجريان وقيل لي أنهما ذاهبتان إلى منزل به حمام خاص.. ولم أستطع اللحاق بهما وإنما سمعت صفق الباب يسد في وجهي والضحكات تتعالى من ورائه فرحا بزوال الخطر الذي كان يتعقبها.. وقد عقب الأركون على هذه القصة بأنها من أحلام شاعر..
ولكن إذا كانت هذه القصة مجرد أحلام شاعر فإنه قص علينا مغامرة أخرى حقيقة كان مسرحها في دار الفقيه الشريبي الذي أثنى عليه الأركون ثناء جما ووصفه بأنه أديب مطلع كريم ولطيف المعشر.
أخلى بيته لجماعة من الضباط عن طواعية يقيمون فيه ويسهرون ويمرحون مع أصدقائهم ومن جملتهم أديبنا الأركون الذي يأتي من حين لآخر ويتبادل أطراف الحديث مع صاحب الدار الشريبي حول مسائل علمية وأدبية رغم أن كلا منهما لا يعرف لغة الآخر باستثناء كلمات إسبانية ينطق بها الشريبي المولع بالمطالعة و القراءة في غرفة بالدار جمع فيها كتبه وأدواته وترك الباقي للآخرين..
وهناك كان يخلو الجو لصاحبنا ويرسل نفسه على سجيتها ويترك حبل هواه على الغارب.. فكان حسب ما يحكى يطلع لسطح الدار ويستدرج فتاة مغربية من بنات الجيران.. يوما عن يوم،، إلى أن صارت تبادله الإشارات من بعيد وصار وهو يأتيها بقطع الحلوى.. يلقيها إليها ملفوفة مطوية، فكانت تلتقطها كما تلتقط العصفورة ما يرمى إليها من الحب.. ولما رأى الكاتب أن الفتاة أخدت تأنس به انقلب عليها في نفسه باللوم والتقريع وكتب أنها خيبت ظنه وطمست الصورة المشرقة التي كان يضمرها عن المرأة المغربية إذ كانت في مخيلته أبعد من نجم السبوق وأعز من بيض الأنوق..

إنشاء مطبعة وصحيفة :
وفي يوم فاتح مارس 1860 كتب الأركون ما يلي : إن هذا اليوم مشهود بالنسبة للإمبراطورية المغربية.. اليوم بدأت في هذه البلاد أول مطبعة بالحروف .. اليوم صدر العدد الأول من جريدة "صدى تطوان – ايكودى تطوان" طبعا بالإسبانية.. لقد نالت إسبانيا شرف كونها أول من أدخل إلى المغرب أكبر اختراعات الحضارة.. وأضاف : أني لم أكن أصدق غير هذا عندما أسست هذه الجريدة، أريد فقط أن تذكر هذه البلاد عندما تستيقظ من سباتها – و ستستيقظ ولا شك قبل مائة سنة – ان امة متحضرة
مرت سنة 1860 .. وإنها فقط لم تمد الخيوط الكهربائية والسكك الحديدية على سهل واد الحلو - مرتيل – وخرقت بالبواخر مياه هذا الوادي، بل طبعت أيضا جريدة داخل اسوار تطوان..
ثم ساق الأركون في يومياته نص الكلمة التي افتتح بها العدد الأول(والوحيد) الذي صدر من تلك الجريدة... المتضمنة لنفس الفكرة.، وبها مقال أخر بتعداد المنجزات المدنية التي حققوها بتطوان التي منها إزالة الأنقاض والنفايات ووضع خريطة للمدينة وما حولها وشق الطرق وتعبيدها وإضاءة بعض الشوارع وفتح مستشفى وتأسيس مخبزة آلية وإقامة التليغراف وإنشاء مطبعة وإصدار جريدة وكذلك من الخطوط الكهربائية والسكة الحديدية، ومعدات وتنظيمات أخرى..

مشروع تاريخ تطوان :
ثم يحكي الكاتب عن صديقه الجنرال روس بأنه يقضي أوقات فراغه في تأليف كتاب عنوانه "حكايات عن إفريقيا" وأنه سيكون جوهرة ثمينة عن تاريخ تطوان، وان من الصفحات التي كتبها فصلا بعنوان "الواد الحلو" أي واد مرتيل يحتوي على قصة يرويها عن شخص مغربي يدعى عبد القادر يقص عليه أخبار تأسيس تطوان وحال سكانها الأقدمين وعادتهم.. وأن الجنرال عاش سنوات طويلة في المغرب وليس هناك من يحسن التحدث من عادات المسلمين مثله سواء بواديهم وحواضرهم.. وإنه في فصل أخر يخاطب الحرب القاسية قائلا : ايه أيتها الحرب .. ! انك أمي الثانية أنا أساعدك وإن كنت قاسية مع الرجال ومع الطبيعة ومع الفن المعماري ومع الأسوار والغابات والأشجار، عطاءات السماء ولوحات الفصول ونافورات الأطلس.
وفجأة انتقل صاحب اليوميات إلى التحدث عن السلام كاتبا: وفي هذه الأثناء وأنا غارق في أفكاري إذا بالهجرة عمت.. فقد وصل اليوم 11 فبراير 1860 مبعوثو مولاي العباس يطلبون السلام وبالتالي يعترفون بانتصاراتنا .. يا لها من سعادة.. لقد تحقق الهدف وانتهت الحرب.. لا نريد أكثر من هذا.. وأرجو أن لا يكون هذا الانتصار سببا في التفكير في غزو سائر المغرب أفكر في هذا وأنا في طريقي إلى المعسكر العام لأشاهد المبعوثين المغاربة.. وصلت وشاهدتهم وهم أربعة.. وكلهم قواد الجيش المغربي، لباسهم نبيل. قفاطين دكناء وبلاغي صفراء وعمائم وسلاهم بيضاء( ووصف الأسلحة والسروج) ومعهم أربعة حراس يختلفون عنهم في اللباس حيث يلبسون شواشي حمراء. والمبعوثون طوال أشداء لا يبلغون سن الأربعين. أحدهم أسود والباقون ولدوا بالريف قرب مليلية حسب تصريحاتهم. وهم القائد الشركي حاكم فاس والقائد مهاشرد حاكم الريف والقائد البطين حاكم طنجة والقائد ابن عبابوا تولى رياسة القبائل وهو أخ لهذا جاء ليقوم بالترجمة لكونه يحسن الإسبانية.. والحراس كذلك ريفيون يفهمون الإسبانية ولكنهم لا يتكلمون.. وفهمنا أنهم جاءوا ليعبروا عن استعداد المغاربة لإنهاء الحرب وقبول السلام ويسألون عن الشروط التي يمليها الإسبان فكان جواب القائد العام أودونيل أن حكومة مدريد هي التي تحدد الشروط وأنه سيبلغها ما تطلبون وأبلغكم جوابها يوم الخميس المقبل إذا حضرتم فتواعد الطرفان على الحضور في اليوم الموعود. .
ثم كتب أن القائد العام أودونيل تلقى يوم 15 فبراير 1860 من حكومة مدريد شروط السلم التي يطلبها المغاربة وأنهم حضروا يوم 16 منه حسب الموعد، وهم أنفسهم الذين جاءوا يوم 11 المذكورون آنفا بزيادة خادم أسود يركب فرسا ويحمل قفاف التمر يقدمونها لمفاوضيهم الإسبان كعربون المودة والسلام.. فأبلغهم أودونيل الشروط الواردة التي تقضي من جملة ما تقضي بضم تطوان وإقليمها إلى الدولة الإسبانية.. وسجلت المذكرات أن الصمت كان يخيم على المكان حين كان أودونيل يقرأ الشروط وأن المغاربة سمعوها بكل هدوء دون أن يبدو عليهم أي انفعال.. ولكن الضباط الإسبان صاحوا بلسان واحد لما سمعوها "يا لها من حماقة" ثم هزوا الأكتاف استخفافا بها. أي أنها أوامر لابد أن تنفذ.. وزاد الأركون يعلق على هذا المشهد : إني لست عسكريا بكل معنى الكلمة وعلى الأصح لست متعودا أن أسكت وأنا أرى أن وطني يندفع إلى الهاوية من أجل المطالبة بأشياء بعيدة المنال.. فالمطالبة بتطوان معناه استمرار الحرب و العداوة مع المغرب.. فإذا امتنع المغاربة من قبول الشروط فإن الحرب ستكلفنا مائة مليون – وأربعة ألاف جندي شهريا. وحتى إذا وافق الإمبراطور المغربي على هذه الشروط فالحرب مستمرة لأنها ستكون غير واضحة لا بمعنى أننا في السلم رسميا وتحيط القبائل بتطوان ومنطقتها وتكبدنا نفس التضحيات والمصاريف إلى مالا نهاية.. ثم ما الفائدة من هذه المستعمرة.. أهي التجارة. فما هي التجارة التي بيننا وبين سبتة ومليلية فمع المغاربة لا يتجر عن طريق البحر.. وهل هي مستعمرة فلاحية. إن إسبانيا أشد حاجة إلى من يحرث أراضيها التي تركها زراعنا وذهبوا إلى أمريكا وأوربا..
ثم ذكر الأركون أن المبعوثين المغاربة بعد أن تلقوا الشروط قدموا صناديق التمر إلى أودونيل وقالوا إنها من ضيعات الامبراطور قدمها إليه مولاي العباس كبرهان على التقدير.. ونحن قدمنا لهم القهوة و الحلوى والسجائر وعرضنا عليهم أن نقدم إليهم بعض المواد الغذائية التي ربما يكونون في الحاجة إليها بمعسكرهم كالسكر و القهوة فقبلوا شاكرين وقالوا إنهم المرة الثانية يأتون ببغلة تحمل تلك المواد.. ثم طلبوا من أود ونيل أن يأذن لهم بقضاء الليلة في تطوان لأنهم متعبون.. فوافق بغبطة ووضعهم في ضيافة حاكم المدينة الجنرال ريوس..
وأثر ذلك اتجهوا إلى تطوان في موكب محروس مع مضيفهم الجنرال الحاكم.. وقال الأركون أنني التصقت بالجنرال ريوس ولازمته إلى أن تنتهي زيارة المبعوثين لأتمكن من التحدث إليهم ومخاطبتهم ب "أصدقائي" وهي فرصة ثمينة من الله بها على..
دخلوا المدينة في موكب فخم من باب العقلة وكانت هذه هي المرة الوحيدة – يقول الأركون – التي سمح فيها التطوانيون لأنفسهم بالنظر إلى موكب من موكبنا.. وقد جال بهم الجنرال شوارع المدينة وأوقفهم على المرافق والإصلاحات المحدثة في المدينة ومن ذلك أنه أوقفهم على آلة التليغراف التي تصلنا بمراكزنا وبالخارج فلم يعيروا لها اهتماما واكتفوا بهز الرؤوس وهو يشرح لهم فوائدها، وألح عليهم أن يبعثوا ببرقية إلى ديوانه بمرتيل.. وبعد لأي طلب احدهم الديوانة أن تخبره هل هناك مركب خارج إلى جبل طارق.. فوجم الجنرال ومن حوله لهذا الطلب الغريب.. وتأولوه في أنفسهم بأنه بمعنى تذكيرهم بالاهانة التي لحقتهم من وجود قطعة من أرضهم في أيد أجنبية.. كما أوقفهم الجنرال إلى معامل الخبز الحديثة فأعجبوا بها وأكلوا من خبزها المهيأ لهم في التو والساعة، ووعدهم الجنرال بأنه سيبعث معهم أكياسا من هذا الخبز الطري.. ثم ذهبوا ليستريحوا في مقر نزولهم بدار الرزيني الموصوفة سابقا.. وبعد ذلك استأذنوا في الذهاب إلى الصلاة في الجامع الكبير دون حراسة تلبية لرغبتهم على أن يحضروا الحفلة التي يقدمها الجنرال إكراما لهم في محل سكناه بدار الرزيني أخي الأول..
يقول الأركون : ذهبت إلى هذه الدار لأحضر استقبال ضيوف الجنرال بها.. وكان الإسبان المدعوون ستة أو ثمانية .. وكان بيت الرزيني هذا فاخرا كبيت أخيه الكبير.. وأطنب الأركون كعادته في وصف هذا القصر.. شأنه عندما يجد شيئا رائعا يصفه.. إلى أن قال : في الساعة الثامنة و النصف مساء صدحت الموسيقى معلنة وصول المفاوضين ووصل معهم حاكم تطوان المغربي أحمد أبعير وكذلك صاحب الدار الحاج أحمد الرزيني.. وفي البداية ثار نقاش حول كيفية الجلوس على الكراسي المجلوبة من المعسكر أو من التكآت ( المضارب) الفاخر.. في الأخير جلس كل واحد على الكيفية التي تريحه.. وكان الجو باردا وأعدت المجامر للتدفئة.. وعلى الموائد صفت أصناف الحلويات والفواكه والسجائر والمشروبات وأواني الشاي والقهوة وحتى زجاجات الماء.. وفي الأثناء كانت الموسيقى العسكرية تعزف في الصحن خوطا الأراكونية.. ولوحظ أن المغاربة كانوا في غاية الانشراح يتناولون كل ماقدم إليهم باستثناء القائد الشركي الذي لم يذق شيئا. وجرى حديث طويل حول المفاوضات والشروط التي تريد اسبانيا فرضها ... فكان جل الحاضرين من اسبان ومغاربة يرفضونها تصريحا أو تلويحا. وبعد أن دامت السهرة إلى الحادية عشرة ليلا انصرف الجميع وقد تعارفوا وارتفعت الكلفة بينهم على عادة المغاربة والاسبان إذا اجتمعوا في مختلف المناسبات والمستويات..

تعديل في الشروط :
وكان من جراء الاتصالات وتفاقم الأوضاع العسكرية أن وقع تعديل في شروط السلام على ماهو مذكور في الاتفاقات. فكتب الأركون يوم 17 مارس 1860 مايلي : إن حكومة مدريد تريد أن تكون تطوان ضمانة من أجل استيفاء مئات الملايين من الخسائر الحربية من حكومة المغرب فأنا أرى شخصيا أن التعويض عادل.. ولكن أرى أن الضمانة غير حكيمة لأن المبلغ أربعمائة مليون ريال بليون عن التعويض يضاف إليه بقاء تطوان في يدنا إلى أن ينتهوا من الداء يترتب عنه أمر غير أخلاقي ولا اقتصادي. فذلك يكلفنا ضعف المبلغ المذكور، إذ البقاء في تطوان يكلفنا الكثير من المال دون أن نجني منه فائدة تذكر..

الأركون يودع تطوان :
وفي يوم 21 مارس 1860 بعد أن سجل الأركون أن مولاي العباس لم يرضخ لتسليم تطوان ولا لتكون ضمانة للتعويض الحربي. ذكر أن حركة غير عادية تجري في تطوان .. فالاستعدادات لاستئناف القتال على قدم وساق. شراء المأكولات والخيول والبغال والحمير سواء من المغاربة أو اليهود.. الكل يتحرك ويتهيأ للقتال ومغادرة تطوان. وأنا بدوري أودع تطوان وأغادرها من الأعماق.. ولن أرجع إليها أبدا (تعبيرا منه عن موقفه المعارض لما تريده حكومة مدريد) .
ثم كتب في 22 منه : وبعد ساعتين أكون قد غادرت تطوان إلى مدريد.. لقد طلبت رخصة من الجنرال القائد العام فوافق.. وان السبب الذي جعلني انصرف هكذا هو نفسه السبب الذي جاء بي إلى هنا عن طواعية وتلقائية.. السبب هو حبي لوطني فانا أعتقد اليوم أو منذ شهر ونصف (مدة وجوده بتطوان) ان مهمتنا في المغرب انتهت وان استمرار الحرب ليس له من معنى وأنها كارثة على وطني.. وأن الشعب في إسبانيا مضلل(مشيرا إلى ما يصدر هنا من الصحافة ومن دوائر الحكومة من أضاليل وأباطيل فنذر نفسه وقلمه أن يتصدى لها في عين المكان) وأشار إلى أن فكرته هذه يوافقه عليها بعض مراسلي الصحف الاسبانية..بل هناك جدل على أن أود ونيل نفسه لم يكن راضيا في اعما قه من موقف مدريد.. بدليل أن الأركون نفسه سجل في مذكراته أنه حين تظاهر بالاستغراب ولما شرحوا له الأسباب سكت كمن يوافق.. وزاد الأركون يقول : وأنا لا أشك أن أودونيل يصفق في أعماقه لقرارنا وأن كان لا يعارضه علانية لاعتبارات خاصة و بديهية..
وفعلا غادر الأركون تطوان وعاد إلى مدريد في جو مكفهر مشيع بالتوقعات و التكهنات.. وهناك تابع الأركون كتابة يومياته متتبعا للأحداث يوما بيوم .. يدونها وينشرها حسب ما يراه صالحا لكلا الجانبين ..إلى أن عرفت القضية نهايتها المعلومة وخرجت الجيوش الاسبانية من تطوان ونواحيها قبل أن يؤدي المغرب التعويضات.
وأخيرا.. تحية خالصة لذلك الكاتب الحر الألمعي الذي اخلص لتطوان ولقضيتها بقدر ما هو مخلص لمصلحة بلاده التي قدرته وكافأته ورفعت من مقامه إلى أن صار عضوا في البرلمان(الكورطيس) وكتب اسمه في سجل الأدباء.

انتهى

الزاهوية
عضو نشيط
عضو نشيط

الجنس : انثى عدد المساهمات : 62
درجة التقدير : 0
تاريخ الميلاد : 14/12/1976
تاريخ التسجيل : 16/09/2012
العمر : 41

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: تطوان في كتاب "يوميات شاهد عن حرب إفريقيا

مُساهمة من طرف غريبي في الثلاثاء ديسمبر 11, 2012 2:34 pm

جزيل الشكر وكبير الامتنان على ما تفضلت به لافادتنا عبر نقل محتوى هدا الكتاب.حقا ان مجلة دعوة الحق هي مجلة ثمينة عملت على نشر ابحاث ادبية وتاريخية مهمة ..

غريبي
عضو أساسي بالمنتدى
عضو أساسي بالمنتدى

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 298
درجة التقدير : 1
تاريخ الميلاد : 02/05/1963
تاريخ التسجيل : 05/06/2012
العمر : 55

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى