منتديات جبالة Montadayat Jbala
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضوا معنا
او التسجيل ان لم تكن عضوا وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

ملامح "ثورة الشعر" ومآزق "شعر الثورة"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ملامح "ثورة الشعر" ومآزق "شعر الثورة"

مُساهمة من طرف محمد الورياكلي في الثلاثاء أكتوبر 16, 2012 12:06 am

ملامح "ثورة الشعر" ومآزق "شعر الثورة"
بقلم: شريف الشافعي (*)
في مواسم الثورات الخصبة تنشط المحفّزات الطبيعية للدهشة، وتمتد جسور الحرية أمام القصيدة، فتتصالح مع ذاتها بقدر ما تتصالح مع وجه الحياة الطلق، على أن ثمة خطوات ملتبسة وألغامًا مخبوءة لا يخلو منها طريق الشعر نحو حريته أو ماهيته.
أن ينادي الشعر بالحرية أو يهتف باسمها في الميادين شيءٌ، وأن يحقق الحرية بيديه، في ميدانه هو، شيءٌ آخرُ. أن تصفق قصيدةٌ لثورة أو حتى تباركها قبل اندلاعها أمرٌ، وأن تكون القصيدة بذاتها ثورةً مكتملةً أمرٌ آخر.
الشاعر الطامح إلى التفرد يراهن دائمًا على أدواته هو، احترامًا منه لاستقلالية الشعر، وغناه، واستغنائه، وقدرته على أن يفعل، لا أن يكون صدىً صوتيًّا لأفعال. أما الازدواجية بعينها، بل الفكاهة المؤلمة، فهي أن تمجِّدَ قصيدةٌ قيمةَ الحرية، وتغذِّي وقودَ الثورة، في حين تجدها الذائقةُ الفنيّةُ نصًّا مقيَّدًا بتبعيّته لغيره، وآلياته المكرورة.
تطل علينا الحرية بوجوه ومفاهيم كثيرة، ومن ثم تتباين تجلياتها في التجربة الشعرية الحديثة، التي رفعت الحرية شعارًا لها منذ الرواد، حتى آخر أجيال قصيدة النثر. بل إن الشعر الجديد نفسه تسمى باسم "الشعر الحر" في بعض مراحله، واقترن مفهوم الحرية وقتها بفعل فيزيائي هو كسر عمود الخليل، بغض النظر عن العوامل الأخرى.
إن اختزال مفهوم حرية القصيدة في ملمح واحد أو عدة ملامح محدودة يخل كثيرًا بالتحرر الفعلي للقصيدة، فتعليق التحرر على المعارضة السياسية (اللا تصالح!) ورجم الطغاة وإلهاب الجماهير وما نحو ذلك يحول القصيدة إلى مانفستو أو بيان ثوري، وربط التحرر بالانفلات الديني يقود إلى طرح منشورات تجديفية، ومنح دور البطولة للفعل الجنسي الفج يصل بالقصيدة إلى خانة البورنوغرافيا، وقصر التحرر على الانحراف اللغوي والجموح التخييلي يفرغ القصيدة إلا من بروازها الخارجي. إن هذه التصورات كلها، وغيرها، أضرت بشعرية القصيدة الجديدة، رغم أنها ولدت من رحم الدعوة إلى الحرية، والثورة على النمطي والسائد.
الحرية التي تطمح القصيدة الآنية إلى إنجازها، هي ببساطة حرية الوجود والتحقق والتفاعل والاكتفاء الذاتي، أي أن تكون القصيدة هي "فعل التحرر" على كافة المستويات، و"الثورة المكتملة بذاتها"، لا أن تكون بيان الدعوة إلى التحرر والثورية، وأن يحدث هذا التحرر وتلك الثورية في سياق طبيعي حيوي عفويّ، والأهم أن تستقل القصيدة تمامًا بشعريتها، وتمشي على الأرض وتحلق في الفضاء بطاقة أدواتها وجمالياتها الفنية فقط، بدون أن تنفصل بالطبع عن معطيات واقعها، ومستجدات عصرها.
الهوة واسعة جدًّا بين "ثورة الشعر" بفضائها الرحب، وبين "شعر الثورة" بمعناه الضيق. على الشعر أن يكون في الأساس شعرًا، وأن يتحرر من كل تبعية، ومن كل شيء، إلا الجوهر الشعري الأصيل أو الشعرية الخام النقية بالتأكيد، وهذا لم يحدث للأسف الشديد إلا في حالات نادرة للغاية في تاريخ الذائقة العربية، تلك التي أفرزت، وتفرز، الشعري على أنه تابع دائمًا للبوابات السلطوية، فالمتنبي مثلاً، على عبقريته، هو أنبغ شعراء البلاط (السلطة الرسمية)، ومحمود درويش، على خصوبته الإنسانية وتمكّنه الفني وتجديده، هو شاعر القضية (السلطة الشعبية كما يرى البعض، والسلطة الفلسطينية كما يرى آخرون).
غاية العدالة، الحقيقية والافتراضية، أن يكون المحك الجوهري لامتحان القصيدة الجديدة هو القصيدة نفسها، حيويتها، طزاجتها، فرادتها، قدرتها على تمثل روح عصرها، قابليتها للاستساغة الطبيعية وإشباع الأذهان والحواس بما يُغني ويُمتع في الآن ذاته.
لقد ربط الأغلبية تراجع القصيدة العربية في السنوات الأخيرة بأسباب إجرائية، وزاد الحديث عن الشروط والعوامل الخارجية، التي عرقلت، بل حاربت، تحليق القصيدة في فضاء المشهد، واستردادها مجدها الذهبي الضائع، بل المسلوب منها ومن مبدعها الشاعر المهضوم، المتعرض للتصفية بفعل القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية (المتحالفة ضد الشعر والشعراء!)، وبفعل القوى الثقافية (الفاسدة بشلليتها وضحالتها وتقليديتها وبانحيازها غير المبرر إلى الرواية!)، بل والأغرب بفعل الجمهور ذاته، الذي تواطأ مع هذه القوى، وزهد في الشعر المعبّأ خصيصًا من أجله في قوارير نظيفة فاخرة، مما تستخدم في حفظ إكسير الحياة وفيتاميناتها الموصوفة!

رغم غرابة هذا المنطق، وشذوذه، فإنه ساد المشهد الثقافي لسنوات طويلة، ولم يمتلك أحد، خصوصًا من الشعراء، الشجاعة الكافية ليقول بثقة وبأعلى صوت: الأزمة أزمة قصيدة في الأساس أيها الأصدقاء، وما تتحدثون عنه من "عوامل" انحسار الشعر، وتراجع دوره، يبقى مجرد "عوامل" مساعدة، ولو تم جدلاً عزل القصيدة خارج هذه العوامل، لتحل محل الهواء في الأنوف، ومحل أشعة الشمس في العيون، لبانت الفضيحة عارية، فليس كل ما تتاح له الفرصة ليوضع على المائدة كخبز خالص للبشر يصلح لأن يكون خبزًا خالصًا بالتأكيد.
هذا هو سؤال الحرية الأصعب على الإطلاق، والامتحان الحقيقي الذي تخوضه القصيدة الجديدة الآن، وأظنني واحدًا من كتابها، حيث تطمح إلى استرداد وضعها الطبيعي في هذه الحياة، من خلال شعريتها، وشعريتها فقط، وليس من خلال البوابات السلطوية والنخبوية والوسائط والوسطاء والمنظّرين والمروّجين والمسوّقين، ولا حتى من خلال القضايا المصيرية والجماهيرية والثورات والنبوءات الكبرى، التي تتمسّح بها لتستدر التعاطف والتصفيق.
أرى أن اللحظة مناسبة تمامًا الآن لعودة القصيدة الحقيقية الحيوية، المستقلة، أو ميلادها بصورتها النقية، بل لعلها اللحظة التاريخية الأكثر مثالية منذ سنوات بعيدة، بعد أن انهارت الوسائط التقليدية لتوصيل النص، وانقاد النقاد والوسطاء الانتفاعيون إلى مكان بارد في الذاكرة، معلنين إفلاسهم، وعدم قدرتهم على التمرير والمنع في عصر الرقمية والفضاءات المفتوحة.
ومع ذلك، فإن القادرين على استغلال الفرصة من الشعراء العرب "الموهوبين" يمكن عدهم عدًّا على الأصابع، لأن جوهر الأزمة لا يزال قائمًا، وهو الجوهر الشعري نفسه، المعدن الأصيل في صورته النقية المجردة، وما أندره وسط هذا الفيضان الشعري الزاعق الجارف!
إن المنطلقات والرؤى المغايرة، التي تخص الشعر والكتابة الجديدة عمومًا، تفرض نفسها بقوة، والمعطيات النظرية لكتابة القصيدة تجاهد كي تتفعل أوتوماتيكيًّا بلا صعوبة تكاد تُذكر، فالشاعر الآن بقدر من الذكاء، ولا أقول الموهبة، قادر على استشفاف أنه يعيش في عالم رقمي، وغرفة كونية صغيرة، وأن القضايا المصيرية الملحّة التي تعنيه وتعني غيره من البشر صارت تتعلق في الأساس بوجود الإنسان كإنسان في هذا العالم أكثر من تعلقها بالعارض الزائل من قضايا سياسية واجتماعية وما شابهها.
وليس بخاف أيضًا على الشاعر الحصيف تلمُّس أن الهم الإنساني المشترك هو أطروحة الكتابة المقبولة، وحدها دون سواها، في ظل إلغاء الحواجز والحدود، على المستويات كلها، بين الشعراء بعضهم البعض، وبينهم وبين قرائهم في أي مكان، وبين الإنسان وأخيه الإنسان على وجه العموم.
ويكتمل عقد استراتيجيات القصيدة الجديدة باستنباط الشاعر، الذكي بالضرورة!، أن المجال متاح ليقول ما يشاء، وقتما يشاء، بالطريقة التي يشاء، وأن النشر الإلكتروني عبر الإنترنت، في صفحات موقعه الشخصي أو الاجتماعي أو مدونته أو في المواقع والصحف الإلكترونية ذائعة الصيت، أعفاه من كثير جدًّا من البوابات السلطوية والنخبوية والرقابية التقليدية، ومكنه من النشر بسهولة، بل إنه أحيانًا يمتلك حق تنسيق وتنميق وتثبيت قصيدته بيده في هذه الصحيفة أو ذلك الموقع، والإعلان عنها في الصفحة الرئيسية.





♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠♠
كلمة حق في زمن النفاق
يجب أن تقال

محمد الورياكلي
فارس المنتدى
فارس المنتدى

الجنس : ذكر عدد المساهمات : 2213
درجة التقدير : 2
تاريخ الميلاد : 25/11/1954
تاريخ التسجيل : 11/09/2010
العمر : 62

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى